الشيخ كمال ڤمّازي لـ"الشروق" الحلقة الأولى : انتفاضة 5 أكتوبر أوّل ربيع عربي وأوّل انهيارات المعسكر الشيوعي

   

لو تحدثني عن أوضاع البلاد قبل أحداث 5 أكتوبر؟ 

الشعب الجزائري منذُ الاستقلال يعيش ضمن نظام الحزب الواحد ذي الطابع الاشتراكي والشيوعي في بعض الجوانب رغم أنّه شعب مسلم، لكن منذ الاستقلال بدأ الأمر بشكل منحرف ولم تكن الدولة التي يعيشون فيها هي الدولة التي ضحى من أجلها الشهداء، فكان هناك احتقان من الجميع ومن ضمنهم الحركة الإسلامية وعلى رأسها جمعية العلماء التي صودرت مدارسُها ووضع رئيسها الشيخ محمد البشير الإبراهيمي رهن الإقامة الجبرية، فخنقت الحركة الإسلامية والحرّيات بصفة عامّة خصوصا وأنّنا عندما نقول الحزب الواحد فمعنى ذلك القناة الواحدة والجريدة الواحدة وغير ذلك؛ فلم تكن هناك تعددية. 

ورغم كل ذلك حاولت الحركة الإسلامية أن تبذل جهودا مع مختلف أبناء الشعب الجزائري سواء في المساجد أو الأحياء الشعبية والجامعية والثانويات، وتنوّعت هذه الجهود بين أعمال خيرية واهتمام بشؤون الشباب ما ولّد صحوة قادها علماء أفذاذ كالشيخ عبد اللطيف سلطاني والشيخ أحمد سحنون والشيخ عمر العرباوي والشيخ طاهر آيت علجت وشبان أيضا كالشيخ علي بن حاج الذي كان ينشط في مسجد السنّة، ولم تكن الصحوة مقصورة على العاصمة فقط بل كانت أيضا في باقي الولايات، وهذه الصحوة آتت أكلها بعد ذلك حتى تمكّن الشعب الجزائري من القضاء على الكثير من الخمّارات وانتشرت بينه الفضيلة. 

  ومن النّاحية السياسية هل كان هناك وعي؟

حينها لم تكن هناك تعددية إعلامية وحتى الجرائد اقتصرت على "الشعب" و"المجاهد" التابعتين للنّظام، فكانت المساجد تقوم بدور تربوي وسياسي ليقين الدّعاة بأنّ الإسلام شامل في العقيدة والتربية والسياسة فكانوا يبصّرون النّاس بالمظالم، وحقيقة الحركة الإسلامية كان لها دور كبير في توعية الشعب رغم أنّ الذي يتكلم في السلطة حينها جزاؤه الاعتقالات ولكن كانت للدّعاة الشجاعة لتجاوز ذلك.

  هل كانت هناك محاولات من السلطة لإشراككم في بعض قراراتها أو التواصل معكم؟

 لم يكن ذلك أبدا، بل بالعكس حتى المساجد كانت تأتيهم الخطب مكتوبة في ورقة، والمساجد الحرّة كانت تقوم بواجبها الدعوي إلا أنّ خطباءها كان مغضوباً عليهم من النّظام.

  البعض يقول إنّه في تلك الفترة استغلّ الإسلاميون غياب السلطة لكسب الشارع تحت غطاء الأعمال الخيرية؟

 لم يكن هناك استغلال وحتى الدولة لم تكن غائبة بل المشكل في سوء التسيير؛ ففي السكنات مثلا وصل في بعض الأحيان إلى حدود 20 شخصاً في شقّة واحدة فضلا عن باقي الأزمات وتفشي البطالة.

  في ظل غياب التعددية السياسية هل حاولت الحركة الإسلامية ومعارضو السلطة الدخول مع جبهة التحرير ومحاولة التغيير انطلاقا منها كغطاء رسمي؟

لا يستبعد وجود هذه الفكرة خصوصا إذا قلنا إنّ الكثير استبعد التغيير نحو التعددية، وأنّ الحكم باق للحزب الواحد حتى أنّه إذا نظرنا إلى المادة 120 التي تقول إنّ "كل مؤسسات الدولة لا ينصّب عليها إلا من كان من حزب جبهة التحرير الوطني" فقد تكون الفكرة واقعة ولكن لم تكن هذه سمة غالبة.

  في الثمانينات نشطت حركة مسلّحة للشيخ مصطفى بويعلي. هل يمكن أن نقول أنّ أفكاره مهّدت لانتفاضة 5 أكتوبر؟

 حركة مصطفى بويعلي لم تنطلق من فكرة التغيير بالسلاح بل هو رجل مجاهد معروف في المنطقة وحمل السلاح لظروفه الخاصّة وانضمّ إليه بعض الشباب.

  بعض الشبان الذين عاينوا حقبته هل تأثّروا بخطابه التحريضي ما يجعل ذلك لبنة من لبنات انطلاق الانتفاضة ولو بعد مدّة؟

 لا أتّفق مع كلمة "تحريضي" والرجل حمل السلاح على فرنسا وجاهد وكان يحلم بجزائر مستقلة إلى أن صُدم بتلك الأوضاع التي كانت تعيشها البلاد وفترة حمله للسلاح امتدت بين 82 إلى أن توفي سنة 87 في مكان محدود ولأسباب معيّنة، فليس لها دورٌ على ما أعتقد في أحداث 5 أكتوبر.

  هل كانت هناك إرهاصات بإمكانية انفجار الأوضاع؟

 إذا كانت مظاهرات 11 ديسمبر نقلت صوت الشعب الجزائري بأنّه يريد الاستقلال، فمظاهرات 5 أكتوبر أوضحت بانّ الشعب يريد استرداد ما مات من أجله المجاهدون.

نعم كانت هناك إرهاصات واحتجاجات هنا وهناك كمظاهرات القصبة سنة 85 على خلفية مشكلة الترحيل وتوزيع السكنات بالمحسوبية وانهيار بنايات فكان الشبان يخرجون ليلا ويشتبكون مع الشرطة، وأيضا في قصبة قسنطينة سنة 86 إلى أن جاء إضراب أكتوبر في منطقة رويبة نهاية سبتمبر إلى أكتوبر 88.

وفي ذلك الحين أيضا اشتهرت كلمة بين الشعب الجزائري بدأ من 86 "أي رايحة تنوض" في إشارة إلى إمكانية التغيير. ولا ننسى هنا خطاب الشاذلي الشهير يوم 19 سبتمبر 88 الذي يقول فيما معناه "كيف يبقى الشعب بدون قوته وهو ساكت لا يتحرّك؟".

  كيف انفجرّت الأوضاع ووصلنا إلى ما يصطلح عليه انتفاضة 5 أكتوبر؟

أذكر أن النّاس يوم الثلاثاء 4 أكتوبر كانت تشتغل بشكل عادي ولم يكن هناك شيء عدا الأخبار التي كانت تأتي من منطقة الرويبة عن الإضراب الذي تجاوز الأسبوع، فالجميع سمع بهذه الأخبار ولكن لم تكن هناك ثورة، وفي المساء بلغتنا أنباء عن أحداث في باش جراح أحد الأحياء المجاورة لبلدية بوروبة وكنا حينها بين المغرب والعشاء في باب الوادي، حيث انتقلت إليها الاحتجاجات بدءاً بأعالي بابا الوادي من ديار الكاف وأحياء واد قريش ثم نزلت إلى شارع عسكري حسن وشارع العقيد لطفي.

  من كان يقود تحرّكاتهم؟

لم يحرّكهم أحد، فلم تكن هناك منظّمات مجتمع مدني بل كانت الأمور تسير بعفوية - على الأقل شعبيا - وبالضبط في تلك الليلة اشتعلت كالنّار في الهشيم، والكبت والاحتقان سرّع في الانفجار ضد كل ما يرمز للدّولة من مؤسسات اقتصادية وإدارية والنّقل وأروقة الجزائر، حتّى أنّ الشرطة التي سارعت من أجل حماية الأروقة اُحتجزت هناك إلى أن جاءت قوّات أخرى لنجدتها.

وصباح 5 أكتوبر وجدنا كل شيء يرمز للدولة محطّما سواء المؤسسات الأمنية أو الإدارية أو الاقتصادية، وأيضا كل ما يرمز للحزب الحاكم، فالجموع صبّت كل غضبها على السلطة التي تراها مصدرا للظلم وكل المشاكل.

وبعدها امتدّ الأمر إلى طلبة المدارس والثانويات فخرجوا بدورهم من المؤسسات ليشاركوا في الاحتجاجات، هذا بالنّسبة للعاصمة أمّا باقي الولايات فكانت الأوضاع هادئة ولمّا سمعوا بما يجري في العاصمة انتقلت الاحتجاجات إليهم كقسنطينة ووهران والبليدة وغيرها.

  ما هي الشعارات التي رُفعت حينها؟

لم تكن هناك شعارات بل أشبّهها بمظاهرات11 ديسمبر التي نقلت صوت الشعب الجزائري بأنّه يريد الاستقلال وكذلك مظاهرات 5 أكتوبر أوضحت بأنّ الشعب يريد التغيير والحقوق التي مات من أجلها المجاهدون. ولهذا قلت لك إنّ أحداث أكتوبر لم ينظّمها أحد وحتى إن كانت هناك جهات أرادت تحريك الشارع فالاحتجاجات فاقت كل التوقعات.

  بهذا نقول أنّ الجزائر عاشت ربيعا عربيا مبكّرا؟

نعم هو أوّل ربيع عربي، إلا أنّه كان مغايراً لباقي الدّول فأحداث أكتوبر كانت بالصدمات والتكسير ابتداء وليست سلمية وتحمل شعارات، كما أذكر هنا أنّ انتفاضة أكتوبر كانت لها تأثيرٌ أيضا في الجانب الإقليمي وسبقت سقوط المعسكر السوفييتي والثورات في رومانيا والمجر وغيرها من دول المعسكر بل سبقت أيضا سقوط جدار برلين.

  هل يمكن القول بأنّ الجزائر صدّرت الثورة لدول المعسكر السوفياتي؟

حينها كنا نقرأ "الاشتراكية خيار لا رجعة فيه" فكانت الجزائر من بين الدول الاشتراكية وأوّل بدايات انهيار المعسكر الشيوعي.

 

عربية

علِّق

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
CAPTCHA
هذا السؤال هو لاختبار ما إذا كنت زائرا بشري ولمنع منشورات سبام الآلية.
11 + 2 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.