رســـالـــة إلـــــى مــــن يــهــمـــه الأمــــر

بسم الله الرحمن الرحيم                              

      الحمد لله القائل "يا ايها الناس انا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائلا لتعارفوا إن اكرمكم عند الله اتقاكم" (الحجرات13 ) والقائل عز وجل "ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا" (الاسراء70) والصلاة والسلام على رسوله القائل في الحديث الصحيح "كل مسلم على مسلم حرام دمه وماله وعرضه" والقائل في حديث آخر "كيف تُقدس أمة لا يأخذ لضعيفهم حقه من شديدهم" وعلى آله وصحبه أجمعين.

       لقد طلب مني بعض الاخوة –جزاهم الله خيرا- كتابة مقالة للرأي العام أعرض فيها مظلمتي لكل من يهمه الأمر حتى يكون الناس على بصيرة مما حدث لي من منع من تأدية صلاة الجمعة للمرة السابعة وحرماني من حقي في التعبير اثر صلاة الجمعة كما جرت العادة منذ خروجي من السجن 02/07/ 2003 بالقوة الامنية، ونزولا عند رغبة هؤلاء جميعا إليكم هذه الرسالة التي اضع فيها النقاط على الحروف باختصار ليهلك من هلك عن بينة ويحي من حي عن بينة، رغم أنني متأكد من أنني لست الوحيد الذي منع من صلاة الجمعة عبر التاريخ الاسلامي الطويل ومن كان له اطلاع على تراجم العلماء قديما وحديثا يعرف ذلك أشد المعرفة ولنضرب أمثلة من علماء الجزائر فالشيخ البشير الابراهيمي رحمه الله توفي  تحت الاقامة الجبرية، والشيخ مصباح حويذق توفي منفيا، والشيخ احمد سحنون وضع تحت الاقامة الجبرية لسنوات، والشيخ عبد اللطيف سلطاني رحمه الله توفي تحت الاقامة الجبرية، والشيخ العرباوي منع لسنوات من الخطابة يوم الجمعة، كما أن ثمة لفيف من الدعاة والعلماء في العالم الإسلامي إذا دخل أحدهم المسجد لمجرد الصلاة وصافح بعض المصلين أو تكلم مع بعضهم فإن رجال المخابرات والبوليس يضايقون من صافحهم أو جلس معهم تحققوا منهم ثم يتم استدعاهم وتارة لا يكتفون بذلك بل يستدعون أئمة المساجد ورؤساء لجان المساجد للتحقيق معهم مما دفع بأولئك الدعاة والعلماء إلى اتخاذ مسالك تجنب الناس التضييق والاتهام والأخذ بالظنة، ولنشرع الآن في المقال والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله.

      ليكن في منتهى علم من يهمه الامر أنه عندما تم اطلاق سراحي من السجن العسكري بالبليدة بتاريخ 02/07/2003 بعد انقضاء مدة العقوبة الظالمة أي اثنا عشر سنة كاملة غير منقوصة ولو بيوم واحد قضيت منها زهاء خمس سنوات وأنا في حكم المفقود حيث منعت طوال هذه المدة من زيارة الاسرة مما خلف أثارا بليغة في  نفسية المسجون و أفراد عائلته وهذا يدخل في معاقبة أفراد الأسرة ذاتهم وهي  قمة التعسف والانتقام والتشفي وهي معاملة قاسية مخالفة للشرع والدستور والقانون والمواثيق الدولية التي وقعت عليها الجزائر بحق السجناء.

   وقبل خروجي بيوم واحد _الثلاثاء 01/07/2003_ استدعاني المقدم وكيل الجمهورية العسكري الى مكتبه وأعلمني بقائمة الممنوعات العشر والتي لم ينطق بها القاضي في حكمه وطلب مني التوقيع عليها فرفضت ذلك رفضا قاطعا وقلت له "انا غير معترف بالأحكام الصادرة عن المحكمة العسكرية اصلا، فكيف أوقع اليوم على مثل هذه الممنوعات العشر الجائرة؟ وإنني افضل البقاء في السجن على ان اوقع على مثل هذه الممنوعات التي تجردني من حقوقي وحرياتي الشرعية والسياسية والاجتماعية والإنسانية" وشُلت اليد التي توقع على سحب أعز ما يميز الانسان عن غيره.   فقال "أنا مأمور بأن أعلمك بالعقوبات التبعية التي بين يدي لا أكثر ولا أقل فقلت له وأنا أعلمك برفضي لها جملة وتفصيلا" وعدت إلى زنزانتي مرددا قول الله تعالى"حسبنا الله ونعم الوكيل".

   ويوم الاربعاء 02/07/2003 وقبل الافراج عني استدعاني مدير السجن وقال "ان المدير العام للأمن الوطني قد ارسل ضابطا ساميا في جهاز الأمن يريد الحديث معك قبل أن يتم الافراج عليك" واصطحبني اليه  فأعلمني الضابط الامني السامي بأنه مرسلا فعلا من المدير العام للأمن الوطني طالبا مني إذا كنت أرغب في حماية أمنية و التوقيع على ذلك فقلت له "لم يسبق لي ان طلبت الحماية من احد ولا ارغب فيها" ورفضت التوقيع على ذلك وعدت إلى الزنزانة ارتب أغراضي استعدادا للخروج بعد أن  سحبت مقالاتي وكراريسي وهي كثيرة وتم احراقها أمامي، وقد صدمني هذا الصنيع الشنيع حيث أمضيت أوقات طويلة في كتابتها، وبعد قرابة الساعة جاء المدير ثانية  من أجل التوقيع على اطلاق السراح وما أن وضعت قدماي خارج السجن بعد ان قضيت اثنا عشر سنة كاملة حتى فوجئت بأن عميد الأمن الذي قابلني صباحا يتابعني ويلاحقني هو ومجموعة من رجال الامن حيثما تنقلت من حي إلى حي ومن بلدية إلى أخرى فقلت له أمام مدخل التلفزة الجزائرية "ألا تعلم انني رفضت صباحا التوقيع على الحماية الامنية فما بالكم تلاحقونني هكذا وكان الواجب عليكم أن تتركوني أتنقل حيث شئت دون متابعة أو ملاحقة ولكم العذر في ذلك لأنني رفضت طلبكم صباحا" فما كان منه إلا أن قال لي "أنا أطبق الأوامر سواء وقعت أو لم توقع" وظلت الملاحقة والمطاردة والمتابعة والرصد تلاحقني منذ 02/07/2003 إلى 22/11/2015 وقد أثبتت هذه السنوات أن الأمر لا علاقة له بالحماية المزعومة وإنما القصد رصد التحركات والتنقلات والأماكن التي أقصدها  والأشخاص الذين أتصل بهم وإلقاء القبض عليّ في قوارع الطرق بغير وجه حق ولو رحت اعدد الأيام والساعات التي قضيتها في مخافر الشرطة هنا أو هناك لضقت ضرعا بتعدادها، وقد تعرضت مرارا وتكرارا إلى التعنيف والإكراه البدني وتارة أمام افراد من أسرتي وأولادي وأصدقائي.

     وليعلم الجميع ان كل ما سبق ذكره وهو غيض من فيض وقطرة من بحر مرده إلى الأحكام الجائرة التي أصدرتها المظلمة العسكرية بالبليدة وهي محكمة استثنائية وقاضيها المدني له عقد مع وزير الدفاع كما يعلم الجميع أن قادة المؤسسة العسكرية هم من كانوا  وراء الانقلاب على اختيار الشعب في 11/01/1991 وحل جميع مؤسسات الدولة من رئاسة الجمهورية إلى المجلس الوطني الشعبي إلى حل المجالس المنتخبة المحلية والولائية وبصنيعها هذا تكون قد خرجت عن مهامه الدستورية ويجعلها تحت طائلة القانون ويعرض كل قادة المؤسسة الذين شاركوا في قرار الانقلاب إلى المحاكمة القضائية بنص  مواد قانون العقوبات 112،113،114 بتعريضهم الامن الداخلي للهزات والقلاقل التي جرت على البلاد ويلات جسيمة وجرائم فظيعة مازالت آثارها إلى يوم الناس هذا ولذلك رفضنا المثول أمام المحكمة العسكرية  يومها.

      وليكن في منتهى من يهمه الأمر أنها ليست المرة الأولى التي أمنع منها من صلاة الجمعة منذ خروجي من السجن 02/07/2003 فكم من مرة كان يلقى عليّ القبض بعد صلاة الجمعة وتارة قبلها ولكن الفارق في هذه الاسابيع الاخيرة هو تواصل المنع وعدم السماح لي بصلاة الجمعة أو القاء كلمة بعدها كما جرت العادة ولاشك أن هذا التصرف الأرعن يخالف احكام الشرع والدستور والقانون ومواثيق حقوق الانسان التي وقعت عليها الجزائر حيث اصبحت كل جمعة يعترض طريقي امام منزلي وأساق  إلى مخفر الشرطة بالإكراه البدني ويمكن لي بيان عدم شرعية هذا المنع من النواحي التالية، وقبل الشروع في ذلك أذكر تواريخ الجمعات التي منعت من أدائها وفرض  عليّ صلاتها ظهرا في مخافر الشرطة:

  • جمعة06/11/2015
  • جمعة 13/11/2015
  • جمعة20/11/2015
  • جمعة 27/11/2015
  • جمعة 04/12/2015
  • جمعة 11/12/2015
  • جمعة 18/12/2015
  1. الناحية الشرعية: من المعلوم من الدين بالضرورة لدى عوام الناس وخواصهم أن صلاة الجمعة فرض عين على كل مسلم لقوله تعالى "يا ايها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا الى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم ان كنتم تعلمون"الجمعة 9 وترك الجمعة بغير عذر شرعي مبيح للتخلف عنها  يعد من الكبائر بالإجماع قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا ينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات –تركهم- أو لا يختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين" وقال أيضا "من ترك ثلاث جمع تهاونا طبع الله على قلبه" فإذا كان هذا وعيد من تركها بغير عذر شرعي فكيف بمن منعها من قوات الامن ومن أصدر لهم الأمر الفوقي بذلك لاشك أن وعيده أعظم وأشد.
  2. الناحية الأمنية: لاشك أن مؤسسة الشرطة من مؤسسات الدولة يجب عليها الالتزام بأحكام الشرع والدستور والقانون، فرجال الامن ليسوا قطاع طرق ولا مرتزقة يقطعون طريق المواطنين ويحولون بينهم وبين ممارسة حقوقهم المشروعة ومدير المؤسسة الامنية ليس رئيس عصابة يصدر الأوامر بالمزاج والهواء أو الخروج عن قوانين البلاد السارية المفعول، وكل شرطي يخرج عن القوانين يفقد صفة الشرطي ويدخل في صفة السارق أو قاطع طريق، ولا شك أن قوات الامن التي ألقت القبض على العديد من الإخوة المصلين خاصة يوم الجمعة 06/11/2015  والذين تراوح عددهم ما يفوق خمسمائة مواطن وتوزعيهم على أكثر من ثمان  أو تسع محافظات للشرطة وقمعم والإساءة إليهم والنيل من كرامتهم وشرفهم يعتبر من أكبر الجرائم  التي ارتكبتها القوات الامنية، حيث منع مواطنين من حق التعبد ومن حق التنقل ومن حق اختيار الامام الذي يستمعون اليه بل ان بعض قوات رجال الامن قاموا بدخول المسجد وإخراج بعض المصلين منه بالقوة وسب الله تعالى والإكراه البدني دون أي مبرر شرعي أو قانوني او أمني، كل هذا يتم والمدير العام للأمن يتبجح أمام وسائل الإعلام بأن التجربة  الأمنية في الجزائر تلتزم باحترام حقوق الانسان ويتفاخر بأن المؤسسة الأمنية في الجزائر أصبحت محل اهتمام وأسوة في الدول العربية والإسلامية؟ ! والذي له اطلاع على القانون الاساسي الخاص لقوات الامن يدرك أن ما قامت به قوات الامن بحقي وبحق المواطنين الذين منعوا من صلاة الجمعة واختيار المسجد الذي يحبون مخالف لمضمون القسم ومخالف للمادة التاسعة منه، إذ ليس من الأخلاق إهانة مواطن جزائري ومسه في كرامته وشرفه ودينه وليس من السلوك اللائق الذي يجب ان يلتزمه رجل الامن كما تنص المادة 61 بل كل من يخرج عن القانون والآداب والأخلاق يجب أن يقدم للمتابعة الجزائية بنص المادة 62، وللإنصاف نقول أن بعض رجال الأمن سلوكهم الحسن منبعه الأسر التي تربوا فيها وليس المؤسسة التي تخرجوا منها، والشرطي الشهم لا يتخذ من بزته الأمنية ولباسه الرسمي ذريعة لاحتقار المواطنين أو سبهم أو التلفظ بالكلام البذيء أو سب الذات الالهية ومثل هؤلاء ينبغي عقابهم تأديبهم أو فصلهم من الوظيفة.
  3. الناحية الدستورية: إن منع المصلين من صلاة الجمعة بالقوة الأمنية وممارسة العنف المعنوي والبدني من بعض رجال الشرطة يخالف الدستور في مادته الثانية ويخالف الدستور في مادته التاسعة التي توجب على مؤسسات الدولة عدم مخالفة الخلق الاسلامي وقيم ثورة نوفمبر، بل إن الدستور يعاقب على التعسف في استخدام السلطة كما تنص المواد 22،34:35و39 منه، اما منعي من صلاة الجمعة لسابع مرة فهو مخالف لمواد الدستور 31،32،36،38،41،44و47، ولا شك أن المسؤول عن هذا الاخلال بهذه الحقوق والحريات المدير العام للأمن لأن رجال الأمن الذين يقبضون عليّ لا يأتون إلا بأوامر منه، ولذلك نقول على النائب العام او وكيل الجمهورية تحريك دعوى ضد المدير العام للأمن وكل شرطي تصرف خارج إطار الأخلاق والسلوك الحسنة والقوانين السارية المفعول، وقبل هذا وبعد هذا المسؤول الأول عن هذه الخرقات رئيس الجمهورية بحكم المادة 76 من الدستور حيث أن رئيس الجمهورية أقسم في يمينه الدستوري على حماية الحريات والحقوق السياسية للإنسان والمواطن، ولاشك أن هذه المقالة تعتبر إبلاغ للرأي العام وللنائب العام ووكيل الجمهورية لتحريك الدعوى القضائية ضد الجهات التي ظلت تمنعني وتمنع المواطنين من ممارسة حقوقهم المشروعة.
  4. ناحية حقوق الانسان: مما لاشك فيه أن الأنظمة الاستبدادية تحسن صياغة الدساتير والقوانين  على الورق ولكن تمارس خلاف ذلك في الواقع ومنها الجزائر فحقوق الانسان ليست ورقة تعلق في مخافر الشرطة ولا كلمات يتشدق بها المسؤولون في تصريحاتهم الإعلامية وإنما هي ممارسات حقيقية في الميدان، فأمريكا مثلا لو طبقت حقوق الإنسان لما أبادت أكثر من خمسمائة قبيلة هندية ولما هاجمت جيرانها في أمريكا اللاتينية أكثر من مئتي مرة، وفرنسا لو كانت تحترم حقوق الإنسان لما استعمرت أكثر من ثلاثين دولة أذاقت شعوبها الويلات وأقدمت على جرائم وفظائع لا ينساها التاريخ الإنساني، ولو احترمت بريطانيا حقوق الانسان لما استعمرت معظم دول العالم وعاثت في شعوبها تخريبا وتدميرا وحرقا ومجازر قل نظيرها في تاريخ البشرية فالعبرة ليست بقوانين تكتب على الأوراق أو تعلق على الجدران أو يتباهى بها في الندوات الصحفية أو المحافل الدولية بينما واقع الممارسة على خلاف ذلك، ولطالما طالبت بمراجعة الميثاق العالمي لحقوق الانسان لأنه صدر في سنة 1948وصادقت عليه الدول الاستعمارية الكبرى وأقصيت معظم دول العالم لأنها كانت مستعمرة فلم تشارك في صياغته ورغم ذلك نحاجج  الأنظمة به  مادام ساري المفعول إلى أن يتغير في يوم ما وتشارك جميع دول العالم في صياغته من جديد ووضع لمساتها الخاصة فيه.

      لاشك أن المدير العام للأمن وسائر قوات الشرطة بحكم تكوينها قبل تخرجها وأدائها القسم على علم  بوجوب احترام حقوق الانسان وهي تمارس مهامها لاسيما والدستور الجزائري ينص على أن المعاهدات الدولية التي وقعت عليها الدولة الجزائرية تسمو على القانون الداخلي كما تنص المادة 132 من الدستور، وأن الجزائر تتبنى مبادئ ميثاق الأمم المتحدة وأهدافه كما تنص المادة 28، وعليه فإن ما صدر عن المديرية العامة للأمن مخالف للإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر في 10/12/1948 وانضمت اليه الجزائر في 1963، والملاحظ  أن جميع مخافر الشرطة  إذا ما دخلها أبناء الشعب الجزائري يلفت انتباههم تعليق نص الإعلان العالمي لحقوق الانسان فضلا عن تزيين الجدران بشعارات جميلة مثل شعار دولة القانون  تبدأ من الشرطة وشعار حسن معاملة المواطنين والنصائح العشر التي يجب على الشرطي التزامها وهو يمارس عمله، ولكن كل ذلك يبقى  مجرد أوراق  معلقة على جدران  أو مجرد سطور سوداء على صفحات بيضاء في ورق صقيل.

  1. من ناحية ممارسة النظام: النظام الجزائري منذ الاستقلال قانونه الأساسي هو الأوامر الغامضة التي هي فوق القانون ومخالفة له والتعليمات التي يجهل مصدرها، وشتان بين ما هو مدون في الدستور وسائر قوانين الجمهورية وبين الممارسة المتعسفة التي لا علاقة لها لا بأحكام الشرع ولا بأحكام الدستور ولا بأحكام القانون ولا بالالتزام بالمواثيق الدولية الموقع عليها والتي تسمو على القوانين الداخلية، ومن المعلوم أن النص  المقدس السماوي أو القوانين الوضعية لا يمكن ان تعمل في فراغ أو تطبق نفسها بنفسها وإنما تحتاج هذه النصوص المقدسة والقوانين الوضعية إلى إنسان له مواصفات خاصة وتكوين خاص ونفسية خاصة وتربية سلوكية مميزة تؤهله إلى تطبيقها احسن تطبيق بعيدا عن التعسف والهوى والغرض، فكلما أوجدنا الإنسان الصالح كلما نجحنا في تطبيق تلك النصوص أو تلك القوانين، ولذلك يقول عمر ابن الخطاب رضي الله عنه "لا يعجبكم من الرجل طنطنته ولكن متى ادى الأمانة وكفّ عن أعراض الناس فهو رجل وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قرآنا يمشي على الأرض" وكان جان جاك روسو يقول "القانون هو ما سُطر على القلوب أكثر منه ما كتب على الصفحات" والمثل البريطاني يقول "القانون العادل في يد القاضي الظالم ظالم والقانون الظالم في يد القاضي العادل عادل" فالإنسان هو الأساس في ترجمة النصوص والقوانين أحسن ترجمة والنظام الجزائري بجميع مؤسساته لفساد القائمين عليها يُحوِّل العدل إلى ظلم ويتعسف في ممارسة مهامه ويخرجها عن إطارها الحقيقي، ولذلك نقول إن بعض رجال الأمن يخالفون القوانين الشرعية والوضعية لفساد أخلاقهم إلاّ من رحم ربي أو من كانت له تربية خاصة في أسرته.

     وليعلم كل من يهمه الأمر أن ثمة ذريعة يتذرع بها الذين يصرون على منعي من ممارسة حقوقي المشروعة وهي قائمة الممنوعات الصادرة عن المظلمة العسكرية بالبليدة وحجة هؤلاء داحضة وأوهى من بين العنكبوت ولا بأس أن أعرضها في هذه المقالة ليعلمها الجميع إذ جاء في نص الممنوعات مايلي:

  1. طرده وعزله بقوة القانون من جميع الوظائف والمناصب السامية للدولة.
  2. منعه من ممارسة كل وظيفة من شأنها ان تسمح له بإعادة ارتكابه الجرائم التي حوكم عليه من أجلها.
  3. منعه من الاقتراع بأي انتخابات كانت أو القيام بحملة خلال اي منها.
  4. منعه من الترشح بأي انتخاب كان.
  5. منعه من عقد أي اجتماع أو تأسيس أي جمعية لأغراض سياسية أو ثقافية أو خيرية أو دينية والانتماء أو العمل بالأحزاب السياسية أو بكل جمعية مدنية ثقافية كانت أم اجتماعية أم دينية وبأية جمعية أخرى بصفته  عضوا أو مسيرا أو متعاطفا
  6. منعه من حضور كل اجتماع عمومي أو خاص وإلقاء الخطب فيه أو العمل على نقل خطبه بأية صفة من الصفات وبأية وسيلة كانت ومنعه بصفة عامة من المشاركة تظاهرة سياسية أو اجتماعية أو ثقافية أو دينية أو وطنية كانت أو محلية مهما كان السبب والمناسبة.
  7. وجوب الكف عن كل نشاط عمومي تحت أية صفة كانت بصفة مباشرة أو بأية واسطة كانت سواء بتصريحات مكتوبة أو شفهية أو القيام بصفة عامة بأي عمل من شأنه التعبير عن موقف سياسي.
  8. عدم الأهلية ليكون مساعدا محلفا او خبيرا أو شاهدا على اي عقد أو أمام القضاء إلا على سبيل الاستدلال.
  9. عدم الأهلية ليكون وصيا أو ناظرا ما لم تكن الوصاية على أولاده.
  10. الحرمان من الحق في حمل الأسلحة وفي التدريس وفي إدارة مدرسة أو الاستخدام في مؤسسة للتعليم بوصفه أستاذا أو مدرسا او مراقبا.

      تلك هي العقوبات التبعية المتصلة بالعقوبة الأصلية التي حكم بها عليّ بتاريخ 15/07/1992، ولا شك ان هذه الممنوعات سابقة خطيرة لم يعرفها القضاء الجزائري بشقيه العسكري والمدني منذ الاستقلال وهي في حقيقة الامر إقصاء من المجتمع وإعدام سياسي واجتماعي وثقافي ودعوي وإنساني، وأترك لمن يقرأ  قائمة هذه الممنوعات  ويعيد النظر فيها ولكل من يهمه الأمر  وأن يطرح سؤال هل لمثل هذه الممنوعات مثالا أو نظيرا في دول العالم بأسره، ولم يكتف النظام بهذه الممنوعات الجائرة التي يستغرب منها كل عاقل حتى أن رجال القانون أصبحوا في حيرة من أمرهم بشأنها فبعضهم يقول أن مدتها القصوى خمس سنوات ويذهب البعض إلى عشر سنوات وقد مضى عليّ منذ خروجي من السجن أزيد من اثنا عشر سنة ونصف فماذا يقول رجال القانون  في مثل هذه الممنوعات العشر الفريدة من نوعها وقد طالت رئيس الجبهة الاسلامية للإنقاذ ونائبه على حد سواء؟ وكيف تكون هذه الممنوعات ذات مصداقية قانونية وهي صادرة عن محكمة عسكرية جائرة وظالمة؟ !

     وليعلم الجميع أو لمن يهمه الأمر أنني منذ خروجي من السجن وأنا غير معترف بها وقد حاولت خرقها مرارا وتكرارا طيلة مدة اثنا عشر سنة وقد كلفني ذلك مضايقات وإيقافات وحجز وتعنيف وإكراه بدني ما الله به عليم، وقد كان لذلك آثارا وخيمة عليّ وعلى الاسرة والأصدقاء الذين التقي بهم هنا او هناك وبعضهم تعرض للتحقيق والمسائلة كما أن بعض الأئمة ورؤساء لجان المساجد طلب منهم تقديم تقرير كلما دخلت مسجدا من المساجد.

    وللعلم أن هذه الممنوعات التي ما انزل الله بها من سلطان تنقلت الى مواد مقننة في قانون السلم والمصالحة المزعوم فأنا ممنوع من حق التظلم والتقاضي الداخلي في بلادي ولا يسمح لي برفع دعوى قضائية ضد الحكم الصادر عن المحكمة العسكرية ولا بشأن الممنوعات العشر بحكم المادة 45 من قانون السلم والمصالحة، كما أنني ممنوع من الخوض في جذور الأزمة والمأساة وتحديد المسؤولية فيما حدث بعد الانقلاب العسكري في 1992  والآثار الوخيمة المترتبة على ذلك والتي مست الأولاد والأحفاد بحكم المادة 46 من قانون السلم والمصالحة، كما أنني ممنوع من حقي السياسي والمدني بالمادة الغامضة 26 فهل يصح ان يطلق على هذا القانون قانون السلم والمصالحة وكان الاجدر أن يطلق عليه قانون عقوبة ومخادعة؟ ! والأغرب من هذا كله أنه في الوقت الذي يطالب عائلات المختطفين والمفقودين بالكف عن السؤال عن ذويهم تأتي وزيرة العدل الفرنسية وبحضور وزير العدل الجزائري وتطالب بكل صراحة ووضوح بمعرفة مصير رهبان تبحرين منذ عشرين سنة ولا احد يسكتها أو يقمعها أو يحشد لها قوات الأمن لتطاردها كما تطارد عائلات المختطفين والمفقودين من شارع إلى شارع ومن ولاية إلى ولاية  وتقول هذه الوزيرة التي صرحت ذات يوم بأن من حق المواطن الفرنسي أن ينتقد الأديان والرسل وأن يعبر على ذلك بكل وسيلة تقف أمام وزير العدل وتطالب بمعرفة مثير الرهبان لتعلم عائلاتهم بما حدث لهم بكل دقة ووضوح وإذا طالب عائلات الجزائريات عن فلذات أكبادهن يقولون لهم اسكتن ولا تفتحوا الجراح ولا تثرن الفتنة في البلاد مالكم كيف تحكمون؟ ولكنها فرنسا وإرادة فرنسا وتحكم بلادنا من فرنسا.

     إن الممنوعات العشر وقانون السلم والمصالحة يخالفان أحكام الشرع الحنيف ويخالفان أحكام الدستور الذي هو فوق قانون السلم والمصالحة ذاته، ويخالفان أحكام العقوبات الذي جعل للعقوبات التبعية حدا محدودا وأمدا معدودا، ويخالفان الاعلام العالمي لحقوق الانسان الذي انضمت إليه الجزائر ووقعت عليه فالمنع من التنقل الحر دون ملاحقة أو مطاردة أو تجسس يخالف المادة13 من الاعلام العالمي لحقوق الانسان، والمنع من إقامة شعائر صلاة الجمعة يخالف المادة 18 منه، والمنع من حقي في التعبير وإبدائي الرأي وإذاعة أفكاري يخالف المادة 19 منه، والمنع من حقي السياسي والمدني يخالف المادة  21 منه، والمنع من الترشح لتقلد الوظائف العامة في البلاد يخالف المادة 21 ف2 منه، والمنع من حقي في العمل والتقاعد والتعويض يخالف المادة 23 ف1، والمنع من تأسيس جمعية خيرية أو دعوية أو الاشتراك فيها يخالف المادة 20 ف1، والاكراه المعنوي والبدني الذي تعرضت له منذ اثنا عشر سنة يخالف المادة 5 منه، والقبض والحجز والتعسف الذي تعرضت له طوال اثنا عشر سنة بشكل متواصل يخالف المادة 9 منه والقائمة طويلة.

     ألم ينص الاعلان العالمي لحقوق الانسان أن الهمجية والوحشية التي عرفتها البشرية والتمرد على الظلم وسعي الناس لأخذ حقوقهم بأيديهم مرده إلى خرق هذه الحقوق الانسانية؟ ! ألم يقل كبار رجال القانون والسياسة والفكر أن العاصم من التمرد هو احترام حقوق الانسان من طرف الحكام والشعوب على حد سواء ؟ !

     وأخيرا تلك بعض تفاصيل مظلمتي وقضيتي لمن يهمه الأمر وهي بلاغ للرأي العام ليكون على بصيرة من تفاصيل هذه القضية التي طال أمدها لمدة اثنا عشر سنة بعد أن عوقبت بمثلها من المظلمة العسكرية بالبليدة وليعلم الجميع بأني ماض في مطالبتي بحقوقي المشروعة ومستعد على المثول أمام أي محكمة دولية أو وطنية للدفاع عن حقوقي  ولا أملك في الأخير إلا أن أقول حسبنا الله ونعم الوكيل.

نسخة لمن يهمه الأمر

الجزائر بـ: 11 ربيع الأول 1436هـ

الموافق لـ: 22ديسمبر 2015م                                

المواطن بن حاج علي.    

عربية

علِّق

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
CAPTCHA
هذا السؤال هو لاختبار ما إذا كنت زائرا بشري ولمنع منشورات سبام الآلية.
3 + 0 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.