مساهمة في البحث عن مخرج توافقيّ للجزائر من الأزمة

بسم الله الرحمن الرحيم

الجزائر في أوّل نوفمبر 2015

تنادى الجزائريّون على اختلاف مشاربهم في أوّل نوفمبر 1954 للجهاد من أجل تحرير الوطن وإقامة "دولة جزائريّة ديمقراطيّة اجتماعيّة ذات سيادة ضمن إطار المبادئ الإسلاميّة" فاتّخذ الله منهم الشهداء وأثابهم النصر والتمكين في الأرض. ومن موقعي كمواطن يضع المصلحة الوطنيّة فوق كلّ اعتبار أدعوهم اليوم في ذكرى ثورة نوفمبر المجيدة أن يتنادوا مرّة أخرى للعمل من أجل تجنيب الجزائر ما يحذره الجميع من تغيير عنيف قد يعصف بالأمن والاستقرار إذا سدّت في وجه المجتمع السبل السلمية في الإصلاح والتغيير.

إنّ عمليّة تقويم الاقتصاد الوطنيّ والنهوض به ضرورة ملحّة يجب –استلهاماً من خطّة يوسف "عليه السلام"- أن توضع لها خطّة سياسيّة وتنظيميّة وإجرائيّة محكمة تقتنع الأغلبية الساحقة بجدواها ويرضون بتقاسم أعبائها ويصبرون عليها حتى تؤتي ثمارها كما يجب أن يسند أمر تنفيذها إلى من ينال ثقتهم بحفظه لهذه الأمانة الثقيلة وخبرته بعلوم تسييرها.

وحتّى أكون واضحاً و"براغماتيّاً" أقول نصحاً وإعذاراً وإنذاراً:

إنّه لا توجد سوى طريقتان مختلفتان تمام الاختلاف لحكم البلاد والعباد:

  • أولاهما لا تتأتّى إلاّ بامتلاك:
  1. القوّة الكافية لقمع كلّ معارضة للممارسة الخاطئة للسلطة.
  2. الوسائل اللازمة –لاسيما الماليّة منها- لرشوة فعاليات المجتمع شراءً للسلم الاجتماعيّ.
  • أما الطريقة الثانية للحكم، والتي تتمنّاها كلّ الشعوب، فتتطلّب التوفّر على قاعدة اجتماعيّة عريضة إلى أقصى ما يمكن من أجل مساندة برنامج السلطة القائمة وعملها الميدانيّ كما هو الحال في البلدان الحرّة، وتلك هي لا غيرها الضمانة المطلقة للاستقرار والتنمية.

لا يفوتني أن أسجّل أنّ إزالة التواجد المخابراتيّ عن الدوائر الاقتصاديّة والإداريّة مكسب على طريق لا يزال طويلاً لإنهاء تلك الوصاية العشوائيّة (لا ضابط لها ولا رقيب عليها ولا حسيب ! ) التي هيمنت على المجتمع والدولة والتي كان من بين ثمارها العشوائيّة في الاقتصاد. لكنّي أحذّر من أن يكون البديل عن إزالة العسكرة هو دولة بوليسيّة تستند إلى قاعدة شعبيّة افتراضيّة مؤلّفة من تجميع أجهزة متنافرة لا تأثير فعليّ لها على الميدان. إذ لا يمكن مطلقاً -ولو بتشديد القمع ودعم بعض القوى العظمى- الحفاظ على الأمن والاستقرار دون توسيع السلطة الحاكمة لقاعدتها الاجتماعيّة عبر إجراء إصلاحات هيكليّة عميقة على كلّ المستويات السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة. فتناقص الموارد الماليّة وانقطاع التوازنات الاقتصاديّة الكبرى والتحرّكات غير المجدية للحكومة تنذر بمستقبل عصيب تمضي إليه الجزائر. وأذكّر هنا من بيدهم الأمر بأنّ عناد بعض القادة العرب ورفضهم القيام بالإصلاحات الضروريّة في الوقت المناسب هما السبب الحقيقيّ في الأوضاع الحالية التي تعيشها الشعوب في سوريا وليبيا واليمن ... ومن هنا فإنّه من اللازم البحث عن الاستقرار والتنمية من خلال الأفعال لا الأقوال وذلك بالمبادرة الشجاعة إلى إجراء الإصلاحات البنيويّة اللازمة في أوانها.

وفي هذا الصدد فإنّ الجزائر تلزمها عاجلاً إصلاحات هامّة للتشريعات القانونيّة:

  • تضمن استقلاليّة حقيقيّة للعدالة.
  •  تعيد للمجلس الوطنيّ مجموع الصلاحيات التي تمكّنه من الممارسة الكاملة لتمثيله الشعبيّ.
  • تجعل الحكومة مسئولة ومكوّنة من الأغلبية البرلمانية التي تسفر عنها انتخابات حرّة تجري في شفافيّة دون تزوير أو إقصاء.

كلّ ذلك حتميّة لا بديل عنها ولا يمكن تخطّيها لمن أراد تكوين قاعدة اجتماعيّة حقيقيّة ذات أغلبيّة وتعبئتها وراء برنامج زكّته وحكومة انتخبتها وبالتالي فهي تحظى بتأييدها اللازم والكافي للتعامل مع معارضة الأقلية السياسية والاحتجاجات الاجتماعية وكلّ التحدّيات والمستجدّات بما لا يعوقها عن تحقيق النهوض الاقتصاديّ والإصلاح الماليّ (البنوك،الضرائب،الجمارك) والتسيير الحسن لبقيّة الشؤون.

وهكذا يتبيّن أنّ مشروع الدستور سوف يكون فاصلاً. إذ سوف يعلن على الملأ استراتيجيّة السلطات العموميّة ويكشف عن نواياها الحقيقيّة بشأن الطريقة التي ستنتهجها في الحكم. فإذا كانت على النهج السليم فإنّ أيسر السبل وأقصرها هو تنظيم انتخابات تشريعيّة مسبقة في غضون السداسيّ الأوّل2016 لكي يسمح ذلك للحكومة الجديدة مدعومة بقاعدتها النضاليّة والانتخابيّة بأن تنطلق بالجزائر على طريق خلاصها ونهضتها الذي ارتضاه أغلبيّة أبنائها.

"إن أريد إلاّ الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلاّ بالله عليه توكلت وإليه أنيب"

الإمضاء: الشيخ عليّ جدّي    

عربية

علِّق

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
CAPTCHA
هذا السؤال هو لاختبار ما إذا كنت زائرا بشري ولمنع منشورات سبام الآلية.
3 + 3 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.