المخرج من الأزمة فى الجزائر

بسم الله الرحمن الرحيم

قال الله تعالى: "وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان". يتميز الوضع الدولي الحالي بمواجهة مقنّعة بين القوى الاقتصادية الغربيّة الكبرى والبلدان الصاعدة رهانها الاستراتيجيّ هو التحكم في مصادر الطاقة والمواد الأولية. والجزائر اليوم أمام منعطف حاسم في تاريخها. إمّا أن تستمرّ في تكريس خضوعها المخزي الحالي مع ما ينجرّ عنه حتماً على مدى غير بعيد من تفكّك كامل للمجتمع وضياع لمرجعيّاته وهويّته، وإمّا أن توطّد العزم على خوض معركة خلاصها بالتوجّه إلى إعادة بناء مؤسّساتها.

إذ أنّ إضفاء شرعيّة لا نزاع فيها على الدستور وعلى المؤسّسات التي تقوم عليها السلطة التشريعيّة والتنفيذيّة هو وحده الذي يضمن للجزائر استعادة سيادتها الكاملة التي تقود بها - في مناخ هادئ - الكفاح اللاّزم من أجل تحقيق تطوّرها ورقيّ شعبها. لأجل هذا فإنّ الجبهة الإسلاميّة للإنقاذ - كما فعلت من قبل كلّما سنحت الفرصة - تطرح فيما يلي اقتراحا لمخرج من الأزمة لا يمكن أن يستغنى فيه عن مشاركة مختلف قوى الأمة وإمكاناتها:

تمهيد

قامت وحدة هذا الشعب وصمدت عبر الأجيال على توافق تامّ بين دينه وقوميّته ووطنيّته، فكانت وحدة رساليّة وتاريخيّة وحضاريّة وثقافيّة، ذات أبعاد إسلاميّة وعربيّة وأمازيغيّة لا تنازع بينها. ولقد توّجت ثوراته الجهاديّة البطوليّة ضد الاحتلال الفرنسيّ بثورة التحرير المجيدة التي أعلنت - حين رفعت السلاح في أوّل نوفمبر 1954م - أنّها لن تضعه حتّى تقيمها "دولة جزائريّة ديمقراطية اجتماعيّة ذات سيادة ضمن إطار المبادئ الإسلاميّة". لكنّ القيادات الثوريّة التي شهدت النصر وقادت الانتقال من الثورة إلى الدولة فوتت على هذا الشعب العظيم المنتصر هدفه الأسمى في استعادة حرّيته كما استعاد وطنه.

ثمّ بعد أكثر من ربع قرن من مصادرة حقّ المعارضة وإسكات صوت السياسيّين والعلماء الذين قاموا يطالبون بتقويم ما ظهر من اعوجاج، تمكّنَ الشعب في ظروف مواتية من تحقيق مكسب الانفتاح على التعدّديّة السياسيّة والحرّيات العامّة بعد تضحيات أكتوبر 1988م. لكنّ الانقلاب على الشرعيّة في 11 جانفي 1992م -بقوّة الحديد والنار- انتزعَ هذا المكسب التحرّريّ الغالي من الشعب عندما بدأ يقطف أوّل ثماره، وألقى بالجزائر في أعماق أزمة سياسيّة وأمنيّة عصفت أحداثها بالدولة والمجتمع وخلّفت ما لا يكاد يحصى من الضحايا.

ولقد سارعت أحزابٌ سياسيّة قويّة وممثّلة لكلّ ألوان الطيف السياسيّ وشخصياتٌ وطنيّة تاريخيّة ودينيّة وحقوقيّة إلى تقديم مبادرات فرديّة وجماعيّة جديرة بأن تكون أرضيّة للحوار الوطنيّ ومخرجاً سياسيّاً توافقيّاً سلميّاً من الأزمة، لكنّ السلطة التي ظلّ أكبرُ همّها البقاء في الحكم رفضتها "جملةً وتفصيلاً" كما فعلت مع أرضيّة العقد الوطنيّ الموقّع بروما في 13 جانفي 1995م. وبعد ما يقرب من 52 سنة تحت حكم نظام سياسيّ لم يعد قابلاً للإصلاح، يحقّ للجزائريّين أن يقفوا وقفة تفكّر:

 هل يستطيع هذا النظام أن يحافظ على سيادة الجزائر على قرارها السياسيّ أو الاقتصاديّ؟

 وهل يستطيع أن يحافظ على مصالحها وأمنها القوميّ ولا يكون عرضة للابتزاز بسبب فَقْد شرعيّته وتهاوي شعبيّته وخوف المتورّطين من رؤوسه في الإجرام والفساد من العدالة الدوليّة؟

 وهل يستطيع أن يحفظ الوحدة الوطنيّة ويجنّب البلاد الانفجار الشعبيّ المدمّر الذي اجتمعت أسبابه ولاحت بوادره في تكاثر وتنوّع الاحتجاجات التي لن يبقى في وسع الحكومة شراء سكوتها؟

إنّنا في الجبهة الإسلاميّة للإنقاذ ندعو كل الجزائريّين الذين يدركون أنّه آن لهذا النظام أن يتغيّر إلى التعاون على أن تتمّ هذه النقْلة الضروريّة سلميّا عبر مرحلة انتقاليّة قصيرة قدر الإمكان تُدار بمشاركة جميع القوى الوطنيّة في كنف الوفاق والأمن والعدل والحرّية. وقد كانت لنا من قبل مساهمات في اقتراح معالم لهذه الشرعيّة الانتقاليّة الضروريّة ونجدّدها اليوم في هذه الأرضيّة القابلة للنقاش والإثراء والتعديل مشارَكةً منّا في رسم معالم لهذه المرحلة الحاسمة.

المبادئ والإجراءات الضروريّة للخروج من الأزمة والعودة إلى الشرعيّة

أوّلاً: إجراءات تهدئة عاجلة لتهيئة أجواء مناسبة للحوار: • فتح المجال السياسيّ والاجتماعيّ والإعلاميّ والدعويّ برفع كلّ القيود والإجراءات التي تعيق حرية التعبير أو النشاط أو التظاهر أو التجمع أو التنظيم. • تكفّل الدولة بضحايا الأزمة دون تمييز أو استثناء. إنّ هذه الإجراءات التي يجب أن تبادر بها السلطة من شأنها أن تمكّن الأحزاب والجمعيّات والنقابات والمنظّمات التي سيرفع عنها الحظر أو الوصاية من عقد مؤتمراتها وتجديد قياداتها وبرامجها ممّا يساعد على فتح حوار بين مختلف القوى السياسيّة والاجتماعيّة والشخصيّات الوطنيّة التاريخيّة والدينيّة بعضها مع بعض وبينها وبين السلطة تمهيداً للدعوة إلى مؤتمر وطنيّ عامّ تشارك فيه السلطة مع كلّ هذه الأطراف دون غبن أو إقصاء. يمكن أن نسمّيه "مؤتمر التقويم الوطنيّ"

ثانياُ: "مؤتمر التقويم الوطنيّ": إنّ الهدف من عقد هذا المؤتمر الجامع لكلّ الأطراف الوطنيّة هو فتح حوار وطنيّ شامل من أجل إعداد تقويم ناقد وشامل للنظام السياسيّ في الجزائر ولممارساته في مختلف المراحل التي مرّ بها منذ الاستقلال. وبناءً على هذا التقويم يتمّ التحاور والتشاور والتوافق في المؤتمر على المبادئ والإجراءات الضروريّة للخروج من الأزمة والعودة إلى الشرعيّة عبر مرحلة انتقاليّة نقترح ألّا تتجاوز مدّتها 30 شهراً وأن يتّفق المؤتمر بشأنها على ما يلي:

1. "العهد الوطنيّ لمباشرة الحقوق السياسيّة" هو "جملة من المبادئ" نقترح تحريرها في وثيقة يمكن تسميتها "العهد الوطنيّ لمباشرة الحقوق السياسيّة" يتعهّد كلّ طرف يباشر العمل السياسيّ أو الاجتماعيّ أو الإعلاميّ بالالتزام بها. نقترح بعضاً منها فيما يلي:

• الدولة الجزائريّة جمهورية ديمقراطيّة اجتماعيّة ذات سيادة ضمن إطار المبادئ الإسلاميّة كما نصّ على ذلك إعلان أوّل نوفمبر 1954م.

• الحفاظ على الوحدة الوطنيّة ورعاية مقوّمات هويّة الأمّة: الإسلام والعربية والأمازيغيّة. • احترام حقوق الإنسان والمواطن وضمان حقّ الدفاع عنها.

• إطلاق الحريّات الأساسيّة الفرديّة والجماعيّة في الميادين السياسيّة والاجتماعيّة والإعلاميّة - ضمن إطار احترام قيم الأمّة ومقوّماتها- وضمان حقّ الدفاع عنها وحقّ كلّ الجزائريّين في التمتّع بها دون تمييز أو استثناء.

• احترام التعدّديّة السياسيّة وضمان التداول السلمى على السلطة عن طريق الاختيار الحرّ للشعب الجزائريّ السيّد.

• نبذ العنف والإقصاء والاستبداد.

• الحفاظ على دولة القانون والمؤسّسات والفصل بين السلطات واستقلاليّة القضاء.

• إسناد رعاية الإسلام إلى "مجلس إسلاميّ أعلى" مستقلّ عن السلطة وعن الأحزاب وعن العوامّ ينتخبه علماء الأمّة.

2. " الهيأة الوطنيّة للحقيقة والعدالة والمصالحة" إنّ المصالحة الوطنيّة يجب أن تحقّق ما يرجى منها من حقن دماء الجزائريّين وإزالة آثار المآسي الأليمة من واقعهم وتصفية مشاعر قلوبهم وتأمين مستقبل أجيالهم من الصراعات الدمويّة. كما يجب أن تكون فاتحة لما يتطلّع إليه الشعب الجزائريّ من الأمن والاستقرار والازدهار القائم في كنف الحرّية والعدل والشرعيّة. وحتّى تكون المصالحة كذلك يجب أن تقوم على الحقيقة والعدالة وأن لا تُترَك بعدها فئةٌ من ضحايا القمع والإقصاء وأحداث العنف التي عصفت بالبلاد تحت وطأة الظلم والحرمان والمعاناة.

ولهذا لا تَقْوى على الحقيقة والعدالة والمصالحة سوى هيأة محايدة من رجال الفقه والقانون والسياسة لا يخافون في الحقّ لومة لائم. وعلى "مؤتمر التقويم الوطنيّ" أن يكوّنها بالتوافق. وقبل أن تُتوّج عملَها بـ"العفو الشامل"، يجب على هذه الهيأة:

• إظهار الحقيقة بشأن المفقودين وإطلاق سراح المساجين في قضايا الأحداث التي عصفت بالبلاد.

• التحقيق في قضايا المجازر الجماعيّة والقتل الجماعيّ للمساجين داخل سجنهم والاغتيالات السياسيّة.

• فتح أوسع باب ممكن لاستعادة الأمن في بلادنا وإخراجها نهائيّاً من "دوّامة العنف" التي تعصف بها منذ الانقلاب على الشرعية في 11 جانفي 1992م .

3. "المجلس الانتقاليّ": يُكوّن "مؤتمر التقويم الوطنيّ" بالتوافق مجلساً وطنيّاً من أهل الكفاءة والأمانة يمكن تسميته "المجلس الانتقاليّ" يصدر توصيات بما يتوافق عليه أعضاؤه. ويكلّف بما يلي:

 يُعدّ لرئيس الدولة كلَّ متطلّبات عملية انتخاب "المجلس التأسيسيّ" بمراجعة كلّ مراحلها وقوانينها وإدارتها والرقابة عليها.

 المتابعة والرقابة لمجريات ما اتّفق عليه "مؤتمر التقويم الوطنيّ" بشأن المرحلة الانتقاليّة.

4. "الحكومة الانتقاليّة": هي حكومة كفاءات وطنيّة يُعيّن أعضاءَها الرئيس بالتوافق مع "المجلس الانتفاليّ" تكلّف بما يلي:

 تصريف الأعمال العاديّة تحت سلطة الرئيس.

 محاربة الفساد والإسراف والتحوّل نحو اقتصاد منتج.

 وضع توصيات "المجلس الانتفاليّ" المتعلّقة بانتخاب "المجلس التأسيسيّ" حيّز التنفيذ وتوفير كلّ الشروط اللازمة لإنجاح هذا الانتخاب الذي يشكّل حجر الزاوية في العودة إلى الشرعيّة.

5. "المجلس التأسيسيّ": انتخاب "المجلس التأسيسيّ" هو أوّل ثمار الشرعيّة الشعبيّة وأساس بناء الشرعيّة الدستوريّة. وهو خطوة حاسمة في تأمين المرحلة الانتقاليّة. ويتولّى المهامّ التالية:

 كتابة دستور الجمهوريّة الجزائريّة الذي ستدخل به "عهد العدل والحرية والرقيّ" ملتزماً بإطار "جملة المبادئ" المنصوص عليها في "العهد الوطنيّ لمباشرة الحقوق السياسيّة".

 إعداد كلّ متطلّبات عمليّة الاستفتاء على الدستور والعمليّات الانتخابيّة - الرئاسيّة والتشريعيّة والبلديّة والولائيّة- التي ستجري في ظلّه، وذلك بمراجعة كلّ مراحلها وقوانينها وإدارتها والرقابة عليها.

"رئيس الدولة خلال المرحلة الانتقاليّة":

رئيس الدولة خلال المرحلة الانتقاليّة هو الذي يملك سلطة إصدار الأوامر التشريعيّة والتنفيذيّة الضروريّة التي يتطلّبها إنجاح هذه المرحلة. وما دامت السلطة شريكاً في التوافق الضروريّ على كلّ ما تقدّم من "المبادئ والإجراءات الضروريّة للخروج من الأزمة والعودة إلى الشرعيّة" فهي مطالبة بأن تقوم بدورها في إعلاء هذه المبادئ واتخاذ هذه الإجراءات.

أمّا إن رفضت السلطة هذا المخرج السياسيّ السلميّ الواقعيّ الذي لا يقبل مزيداً من التأجيل، فنقترح على قوى التغيير المتوافقة على مشروع المرحلة الانتقاليّة أن تتوافق كذلك على مرشّح رئاسيّ واحد لعهدة انتقاليّة تقتصر مدّتها ومشروعها الانتخابيّ على تحقيق ما توافقت عليه ثمّ تعمل بكلّ الوسائل السلميّة السياسيّة والشعبيّة على حمل السلطة على إجراء انتخابات رئاسيّة مسبقة بشرط أن تتمكّن من انتزاع الضمانات اللازمة والكافية لنزاهتها. ويومئذ يفرح الجزائريّون بالخلاص من الأزمة والعودة إلى الشرعيّة وتغيير النظام دون تحمّل مزيد من التضحيات أو التعرّض إلى مزيد من المخاطر !!!

الجزائر في 10\06\2014 م

عربية

علِّق

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
CAPTCHA
هذا السؤال هو لاختبار ما إذا كنت زائرا بشري ولمنع منشورات سبام الآلية.
5 + 14 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.