الشيخ كمال ڤمّازي يواصل شهادته عن مظاهرات 5 أكتوبر 88 الحلقة الثانية والأخيرة: أحداث أكتوبر صنعت "باب الوادي الشهداء" و على بن حاج بريء من افتراءات نزار

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                    ماذا عن الحركة الإسلامية وأين كان موقعها من هذه الأحداث؟

 كانت الأحداث مفاجأة وشيئا جديدا، ولكن طبع المسلم أنّه يريد دائما انتصار نهج الحكمة ومحاولة ترشيد أي مسار وأي مسعى في سبيل حقن الدّماء وأن لا تسقط أرواح الأبرياء، فبعد يومين من الأحداث وبالضبط يوم الجمعة جاءت محاولة للوساطة.

 قبل أن نتحدث عن الوساطة هل كان للمساجد دور في هذه الاحتجاجات أم أنّها بريئة من ذلك؟

 المساجد كانت الصلوات تقام فيها بشكل عادي ولم تنطلق منها أي احتجاجات.

 تحدثت عن محاولات وساطة. كيف كانت؟

 حاولنا ترشيد النّاس عن طريق وساطة مع التنبيه إلى وجوب اجتناب التعدي على الممتلكات العامة والخاصة مذكّرين بحرمة ذلك، وساعدنا في هذا أنّ أغلب النّاس كانت تذهب إلى المساجد التي تكتظ عن آخرها حتى أنّها لا تكفي المصلين وما هذا إلا جهد سنوات من العمل والتربية.

 كيف سارت الوساطة ومن كان وراءها؟

 كانت فكرة الشيخ علي بن حاج وحميداد والشيخ كمال نور على أن يقوموا يوم السبت بالاتصال بالمدير العام للأمن الوطني عبد المجيد زبيد ووزير الداخلية الهادي لخذيري، على أنّهم قالوا بأنّ الشعب له مطالب في مقابل أنّه على قوّات الشرطة أن لا تطلق النّار عليه، فالشعب له الحق في الاحتجاج دون تكسير كما لا ننسى من الجهة الأخرى أنّ في تلك الأيام وقع تعذيب.

 تقصد رجال الأمن؟

 نعم أطلقوا النّار والغازات المسيلة للدّموع ووقعت اعتقالات، ويومها أعطت وزارة االداخلية حصيلة للأحداث قالت بأنّها تجاوزت 100 قتيل، وفي الحقيقة العدد أكبر من ذلك وقد يصل إلى 500 أو أكثر.

 هل فاجأكم تعامل السلطات العنيف مع الاحتجاجات؟

رغم أنّ الاحتجاجات كانت مفاجئة للجميع إلا أنّ السلطة كانت لها وسائل أخرى تمكّنها من نزع الفتيل من البداية، واللوم ليس على الشرطي البسيط فقط ولكن المسؤولية يتحمّلونها بصفة عامّة ما أوقع الشرطة والشعب في صدامات وأعلنت حالة الحصار ونزل الجيش إلى الشّارع.

 كيف سارت المبادرة التي اقترحها علي بن حاج ومن معه؟

بُلّغت بها مديرية الأمن لتبّلغها بدورها للسلطات على أمل أن تكون هناك اتّصالات، وكان هناك درس للشيخ علي بن حاج يوم الأحد بعد المغرب وأذكر هنا للأمانة أنّه صلى بالنّاس المغرب والعشاء جمعاً حتى يرجعوا إلى بيوتهم وذلك بقصد التهدئة فقد حاول الدّعاة تحمّل المسؤولية أمام السلطات وتبليغ مطالب الشعب دون أن تحطّم مكاسب الأمّة فكان درسا من أجل التهدئة، وطرحت فيه فكرة الالتقاء في مكان وتبليغ المطالب، وكان الاتّفاق على أن يكون المكان في أحد مساجد حي بلوزداد، فالحركة الإسلامية أرادت نقل الاحتجاجات من أسلوب التحطيم إلى تهذيبها بالاجتماع والاتّفاق على مطالب لتبليغها إلى السلطات.

 هل وقع الاجتماع كما أعلن عنه؟

 يوم الإثنين 10 أكتوبر جاء النّاس وقت صلاة الظهر.

 هل اتّصلوا بالعلماء البارزين في ذلك الوقت؟

كان هناك اتّصال بالشيخ أحمد سحنون رحمه الله لكنّه من جهة السلطة حيث طلبت منه إلغاء ذلك اللقاء، وعند اجتماع النّاس أُبلغ الشيخ علي بن حاج من الشيخ أحمد سحنون أنّه من الأفضل أن لا يكون هذا اللقاء فلم يحضر.

 الشيخ الهاشمي سحنوني يقول بأنّه في ذلك اليوم أخذ مكبّر الصوت وأخبر النّاس بأنّ الشيخ علي بن حاج مريض ولن يأتي؟

 الشيخ لم يكن مريضا ولكنّ غيابه كان بطلبٍ من الشيخ أحمد سحنون.

 لكن لماذا لم يذهب بنفسه إلى النّاس ويخبرهم بإلغاء الموعد؟

 الشيخ بن حاج موجود يمكنكم سؤاله عن هذا.

 وكيف تمّ اللقاء؟

 قبل أن يبدأ اللقاء أتى الشيخ أحمد سحنون والشيخ محمد سعيد رحمه الله الذي أخذ اللاقط وطلب من النّاس أن ينصرفوا راشدين. وهو ما وقع.

 هنا بعد الانصراف أخبر نزّار بأنّ الشيخ بن حاج قاد مظاهرة ببلكور؟

 هذا غير صحيح بن حاج لم يكن أصلا ببلوزداد ولا هو حرّض النّاس ولم يسر في مسيرة بل هذا افتراء على الرجل.

 ما الذي حدث بعد الانصراف؟

كنت في باب الوادي لمّا وقع إطلاق النّار في الساعة الثالثة ودام ذلك عشر دقائق مستهدفاً كل من يسير في الشارع حتّى أن السكّان قالوا بأنّهم لحقوا بهم إلى العمارات ومنهم من ألقى نفسه بين القتلى، وبعض الرصاصات أصابت النّاس وهم على شرفات ونوافذ بيوتهم. كما سقط صحفيٌ من وكالة الأنباء الجزائرية قتيلا عند باب ثانوية الأمير عبد القادر. ومن يومها أطلق عليها تسمية "باب الوادي الشهداء".

 هل هناك علاقة بين إطلاق النّار وتجمّع مسجد بلوزداد؟

 بين باب الوادي وبلوزداد مسافة كبيرة، ولا يمكن أن يبرر ما وقع في باب الوادي بلقاء مسجد بلوزداد.

 لكن الجهات الأمنية بررت ذلك بأنّ المنصرفين من اللقاء أثناء عودتهم لباب الوادي منهم من بادر بإطلاق النّار على الشرطة أثناء تأدية مهامها؟

 بين ثانوية الأمير عبد القادر وساحة طالب عبد الرحمن مسافة نصف كيلومتر، فهل كل هذه المساحة وقع فيها إطلاق للنّار؟

 هل هناك من أراد أن يدفع بالبلاد إلى تعفّن الأوضاع؟

أحداث أكتوبر حقيقة كانت نقلة كبيرة في باب الحرّيات، لكن تبقى أنّ هناك جهات دفعت إلى شيء من ذلك، ففي تلك الليلة خطب الشاذلي بن جديد بعد أن سقط أكثر من 30 قتيلاً إن لم يكن أكثر من ذلك، وقد اعترَف بأنّه أخرج الجيش ووعد بإجراء إصلاحات وتأسّف لسقوط ضحايا ووعد بتغييرات.

 وما الذي حدث بعد خطاب الشاذلي؟

 إذا ربطنا بين 19 سبتمبر و 10 أكتوبر نجد أنّه في فترة 20 يوما وقعت أحداث جاءت بعدها التغييرات والإصلاحات التي كان يريدها. ولكن بعد 10 أكتوبر تكسّر حاجز الخوف وأصبح النّاس يتكلّمون بحرّية وأحس الجميع بتغيّر الوضع.

وجرت الانتخابات الرئاسية في نوفمبر ثمّ الاستفتاء على الدستور الجديد في ديسمبر من سنة 89 الذي حمل العديد من التغييرات وأقّرت الديمقراطية والتعددية.

 لكن هل التعددية كانت من مطالب الغاضبين أم أنّ السلطة هي من وقعتها؟

 التغييرات يكمّل بعضها بعضا، فمن غير الممكن أن يكون هناك انفتاح اقتصادي بحزب واحد بل لابد من تعددية في كل جوانب الحياة.

 اليوم وبعد ربع قرن من تلك الأحداث كيف تقرؤونها؟

 الشارع تحرّك بسبب الضغط الذي ولّد ذلك الانفجار.

 لكن البعض يقول أنّها كانت مفتعلة لصالح أطراف معيّنة؟

 كلا الأمرين صحيح، فالشعب استعمِلَ لترجيح كفّة في السلطة على أخرى ولكن غضبته كانت طبيعية.

 هل يمكن أن نسمّيها بالانتفاضة الموءودة؟

الشعب الجزائري حقّق بعد ذلك العديد من المكاسب المتعلّقة بالحرّية وانتشرت الفضيلة والتكافل والتعاون والأخوّة.. فضلا عن الجوانب السياسية وبعد ذلك جاءت "الجبهة الإسلامية للإنقاذ"، ولكن للأسف هذه المكاسب أفرغت اليوم من محتواها إذ نملك اليوم هياكل بدون روح كالمجلس الشعبي الوطني فهو أجوف وليس له امتداد شعبي.

 وكيف تنظر إلى أوضاع البلاد بصفة عامة؟

هناك جوانب ساءت وأخرى بقيت على حالها وأخرى زادت عن حدّها كالآفات الاجتماعية والمخدّرات، وبعد أن دخلت الجزائر في تعددية إعلامية بعد دستور 89 جاء بعدها ما اصطلح بـ"المعلّقات العشر" وهي 10 جرائد موقوفة، والتي أنهت التعددية ودجّنت المؤسسات.

 هل من كلمة توجهها للشعب والسلطات اليوم؟

 نصيحة للشعب أن يبقى متمسكا بمطالبه وما ضحى من أجله الرجال سواء في ثورة التحرير أو أحداث أكتوبر وغيرها.

وبالنسبة للسلطة فلابد أن تأخذ عبرة من أحداث 5 أكتوبر التي لم يتوقعها أحد، فمن الواجب العودة إلى الصواب وإن كانت الحقوق لا تطلب منها فعليها أن تحترم الشعب وأن نذهب إلى مرحلة انتقالية يشارك فيها الجميع بمن فيهم "الجبهة الإسلامية للإنقاذ" لتحقيق مطالب الشعب الجزائري، فلا يمكن إقصاء الملايين وهذا أمر فيه مخاطر ولابد أن نتذكّر كيف ذهب الشاذلي إلى عفو شامل واتّصل بمعارضيه لوضع اليد باليد من أجل تجنيب البلاد المخاطر.

عربية

علِّق

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
CAPTCHA
هذا السؤال هو لاختبار ما إذا كنت زائرا بشري ولمنع منشورات سبام الآلية.
7 + 3 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.