الجيوش الإرهابية السرية للحلف الأطلسي

أثار المؤرخ والباحث السويسري دانيال غانسر جدلا حادا في الغرب بنشره أخيرا كتابا حول الجيوش السرية للحلف الأطلسي، حيث أثبت تورط الحلف في ممارسة الإرهاب بشكل سري، عبر إعمال استراتيجية التوتر و رايات الإرهاب المزيفة كما يلقي الكتاب الضوء على استخدام الحلف شبكة جيوش سرية عرفت بإسم غلاديو في أوروبا خلال الحرب الباردة، بالتنسيق مع أجهزة الإستخبارات في دول غرب أوروبا والبنتاغون، وتشغيله جواسيس في الأوساط اليمينية، وترتيبه أعمالا إرهابية تمت نسبتها إلى اليسار المتطرف، ليصل إلى أن الحلف الأطلسي لا يزال يواصل استراتيجيته اليوم بعدما وجه هدفها نحو العالم الإسلامي مختلقا الحرب على الإرهاب للسيطرة على موارد الطاقة.

في هذا الحوار الشيق الذي أجرته معه سيلفيا كاطوري و هي صحافية مستقلة ومواطنة سويسرية من أم إيطالية. بعد التدريب في معهد الصحافة من جامعة فريبورغ (التي أعيدت تسميتها قسم علم الاجتماع، كلية العلوم الاقتصادية والاجتماعية في عام 1998) وفترة من الخبرة في العمل في (شويزيريش ديبيشيناقنتر، أي جي)(اس دي اي) (وكالة سويس أي تي س) تيليغرافيك)، غادرت سويسرا إلى العمل في أجهزة الصحافة المختلفة. وأمضت سنوات في الخارج، لا سيما في جنوب شرق آسيا والمحيط الهندي، بقائها على اتصال وثيق مع الدوائر الدبلوماسية ووكالات الأمم المتحدة، قدمت لها فهم معين على العالم، وآليات السلطة والظلم. في أبريل 2002 كانت في إسرائيل عندما شن ارييل شارون هجوم واسع النطاق و وحشي ضد الضفة الغربية. قلقت  سيلفيا كاطوري من تأثير أفعال الجيش الإسرائيلي فى الحرب على الأطفال فسافرت إلى فلسطين المحتلة  لرؤية ما يجري هناك بأم عينيها. كانت المشاهد المروعة التي شهدتها محيرة للعقل. ومنذ ذلك الحين  كتبت العديد من المقالات كشاهدة على أعمال العنف التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي ضد شعب مسلوب الإرادة ومنبوذ ترك بدون حماية لسبب غير مفهوم.

و فى مقدمة موقعها على الشبكة كتبت:  البحث عن الحقيقة واجب كل إنسان, وهو على وجه الخصوص واجب كل صحفي. ينبغي لكل إنسان أن يخرج من الجهل الذي تعمل سلطات الدولة ووسائل الإعلام على سجنه داخله. كما ينبغي لكل مواطن أن يعرف كيف يتخطى العقبات التي تمنعه من محاولة رؤية الأشياء من وجهها الآخر. أن يسعى وراء الحقيقة بنزاهة وشجاعة وتصميم . ومهما كانت العواقب فالأمر متعلق بكرامتنا. إن تقديم خبر مستقل ونزيه، وقول الحقيقة بصدد شتى أشكال الإرهاب والقمع الذي تمارسه بعض الدول، يمكن أن يساهما في السلام وفي إنقاذ أناس من موت محقق وفي التخفيف من معاناة الناس. وحتى إن كان قول الحقيقة وإدانة الشطط والجرائم يعرضك للشتائم والتهديدات فلا ينبغي الاستسلام للترهيب قط ولا التراجع أمام الخوف. ينبغي فقط تشديد الاهتمام بتلك الكائنات الجريحة التي تقاوم من أجل كرامتها ونيل الاعتراف بإنسانيتها. ففي هذه الزاوية من المرآة تنتظرنا الحقيقة وتحدّق فينا بكل عطف.

سيلفيا كاتوري: يحاول كتابك حول الجيوش السرية للحلف الأطلسي أن يوضح المخاطر الكبرى التي تتضمنها استراتيجية التوتر ورايات الإرهاب المزيفة خلال الحرب الباردة، والآن يمكن لنا أن نتساءل عما يمكن أن يحصل في الحاضر؟

دانيال غانسر: مهم جدا أن نفهم ماذا تمثل فعليا استراتيجية التوتر، وكيف اشتغلت خلال هذه الفترة، لنفهم ما يجري في الحاضر، خاصة وأنهم قلة من يعرفون شيئا عن هذه الاستراتيجية. إنها تكتيك يعتمد على ارتكاب اعتداءات إجرامية ونسبتها إلى الآخر.

ومصطلح التوتر يحيل إلى التوتر العاطفي، أي ما يثير الشعور بالخوف، أما مصطلح الاستراتيجية، فيحيل إلى ما يغذي خوف الناس إزاء مجموعة معينة هذه البنيات السرية التابعة للحلف الأطلسي تم تجهيزها وتمويلها وتدريبها من قبل الاستخبارات الأمريكية /CIA/ بتنسيق مع الأجهزة السرية البريطانية /MI6/ لمواجهة الجيوش السوفييتية في حالة نشوب حرب، ولكن أيضا ، حسب المعلومات التي لدينا، للقيام باعتداءات إرهابية في بلدان عديدة.

وهكذا، ابتداء من السبعينات، استخدمت الاستخبارات الإيطالية هذه الجيوش السرية في اعتداءات إرهابية بهدف إثارة خوف المواطنين، ثم اتهمت الشيوعيين بالوقوف وراءها. وكان الحزب الشيوعي آنذاك يتمتع بسلطات تشريعية مهمة في البرلمان، وعملت استراتيجية التوتر على نزع الثقة منه وإضعافه من أجل منعه من الوصول إلى السلطة التنفيذية.

سيلفيا كاطوري: لكن، ألبس صعبا أن نتصور بأن حكوماتنا سمحت للحلف الأطلسي وأجهزة استخبارات دول أوروبا الغربية وال سي آي إي بأن يتصرفوا على نحو يهدد أمن مواطنيها؟

دانيال غانسر: الحلف الأطلسي كان في قلب هذه الشبكة السرية المرتبطة بنشر الرعب، هناك اللجنة السرية للتخطيط /clandesting planning committee/ واللجنة السرية المتحالفة /ACC/، وهما تنظيمان سريان تابعان للحلف الأطلسي أصبحا معروفين اليوم.

رغم ذلك، لا يزال صعبا حتى الآن معرفة / من يقوم بماذا/ لا توجد وثائق تثبت من كان يقود العمليات، ومن كان ينظم استراتيجية التوتر، وكيف كان الحلف الأطلسي والاستخبارات الأمريكية والأوروبية والإرهابيين يتقاسمون الأدوار في ما بينهم اليقين الوحيد هو أنه بداحل هذه التنظيمات السرية، كان هناك من استخدم استراتيجية التوتر. لقد أوضح إرهابيو اليمين المتطرف في اعترافاتهم بأن الأجهزة السرية والحلف الأطلسي هم من دعمهم خلال تلك الحرب السرية، ولكننا حين نستوضح الأمر من أعضاء من الحلف أو ال سي آي إي فإنهم يتعللون باحتمال خروج عناصر مجرمة عن سيطرتهم.

سيلفيا كاطوري: هل كانت هذه الجيوش السرية تتحرك في جميع دول أوربا الغربية؟

دانيال غانسر: سُقْتُ الدليل بأبحاثي على وجود هذه الجيوش، ليس فقط في إيطاليا، بل أيضا في غرب أوربا كله، فرنسا وبلجيكا وهولندا والنرويج والدنمارك والسويد وفنلندا وتركيا وإسبانيا والبرتغال والنمسا واليونان واللكسمبورغ وألمانيا.

في البداية كنا نظن أن هناك تنظيما وحيدا لميليشيا عسكرية، وبالتالي، أن هذه الجيوش شاركت كلها في استراتيجية التوتر، أي في ارتكاب اعتداءات إرهابية، في حين لم تشارك كلها، لأنها كانت مكلفة بنشاطين مختلفين. ويظهر جليا اليوم أن هذه التنظيمات السرية للحلف الأطلسي، المتعارف عليها بالجيوش الخلفية، تم تصور مهمتها في البداية كميليشيات تتحرك في حال تعرض أوروبا الغربية للاحتلال السوفييتي.

وتقول الولايات المتحدة الأمريكية إن هذه الميليشيات كانت ضرورية لتجاوز عدم استعداد الدول التي تعرضت للاحتلال الألماني. ومن ثمة، اعتقدت عدد من هذه الدول أنه يتعين عليها الاستعداد بشكل أفضل لغزو محتمل آخر، والتوفر على خيار آخر يتمثل في الاعتماد على جيش سري في حال تعرض الجيش التقليدي للهزيمة. وكان ضمن هذه الجيوش السرية رجال شرفاء ووطنيون جادون، كان هدفهم الوحيد الدفاع عن الوطن.

سيلفيا كاطوري: إذن، فقد تم تحويل هدف هذه الجيوش الخلفية إلى محاربة اليسار. ولكننا لا نفهم لماذا لم تحقق الأحزاب اليسارية في شأن تلك الانحرافات، ولم تندد بها في وقت سابق؟

دانيال غانسر: يبدو في حالة إيطاليا أن الحزب الشيوعي لم يحصل يوما على أية إجابات من الحكومة حول الجيش السري الذي كان يتحرك باسم غلاديو ، بدعوى أن الأمر يتعلق بأسرار الدولة. وظل الأمر كذلك إلى حدود العام 1990، حين اعترف جيوليو أندريوتي، الوزير الأول آنذاك، بوجود جيش غلاديو وعلاقته المباشرة بالحلف الأطلسي والاستخبارات الأمريكية والبريطانية.

وفي هذه الفترة أيضا استطاع القاضي فيليس كاسون أن يثبت أن المرتكب الفعلي لاعتداء بيتيّانو الذي هز إيطاليا عام 1972 ونسب إلى مناضلي أقصى اليسار، كان شخصا مقربا من اليمين المتطرف، وقد اعترف بينشينسو بينشيغيرا بتواطئ الاستخبارات الإيطالية معه، وتحدث أيضا عن الجيش السري غلاديو، وأوضح كيف أن الاعتداءات السرية تسببت في وفاة أطفال ونساء.

وأدى شيوع هذه المعلومات لوقوع أزمة سياسية في إيطاليا. كما أكد بينشيغيرا أن هذا الجيش السري الذي يسيطر عليه الحلف الأطلسي كان لديه تفرعات في كافة دول أوربا، ووحدها إيطاليا وسويسرا وبلجيكا فتحت تحقيقات عمومية، ونشرت لاحقا تقارير حول جيوشها السرية.

سيلفيا كاطوري: ماذا الآن بشأن هذه الجيوش السرية؟ هل لا تزال تتحرك اليوم؟ هل توجد تنظيمات وطنية سرية منفلتة من سيطرة الدول؟

دانيال غانسر: يصعب على مؤرخ الإجابة على هذا السؤال. لا نتوفر على تقرير رسمي لكل دولة على حدة. أنا أحلل في كتبي حقائق يمكن أن أقدم الدليل عليها، في إيطاليا، هناك تقرير يقول إن الجيش السري غلاديو تم إلغاؤه.

وفي سويسرا يتحدث تقرير برلماني عام 1990 عن وجود جيش سري، إذن فهذه الجيوش السرية التي خزنت متفجرات في مخابئ عبر كل التراب السويسري تمت تصفيتها. لكن في الدول الأخرى لم يتم فعل شيء. أما في فرنسا، وبينما أكد الرئيس الفرنسي السابق ميتران أن كل هذا أصبح من الماضي، عرفنا في ما بعد أن هذه التنظيمات السرية لا تزال قائمة عندما لمح جيوليو أندريوتي إلى أن الرئيس الفرنسي كان يكذب/ تقول إن الجيوش السرية لم يعد لها وجود، في حين طرحت في الاجتماع السري خريف العام 1990، وأنتم الفرنسيون أنفسكم كنتم حاضرين، لا تقل إنها لم تعد موجودة.

وقد غضب ميتران كثيرا من أندريوتي، لأنه كشف هذا السر، واضطر لتعديل تصريحه في وقت لاحق، وقام رئيس المخابرات الفرنسية، الأميرال بيير لاكوست بتأكيد وجود هذه الجيوش السرية، وأن فرنسا تورطت بدورها في بعض الأعمال الإرهابية. ولهذا يصعب القول إن كل هذه الأمور تطورت، ورغم تصفية تنظيمات غلاديو، فيحتمل أن تكون تنظيمات جديدة قد أنشأت، مع الاستمرار في الاستفادة من تقنية استراتيجية التوتر والرايات الزائفة.

سيلفيا كاطوري: بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، هل يمكن التفكير في أن الولايات المتحدة والحلف الأطلسي واصلا تطوير استراتيجية التوتر والرايات المزيفة في جبهات أخرى؟

دانيال غانسر: تركزت أبحاثي حول فترة الحرب الباردة في أوروبا. ولكنه معلوم أنه ثبتت مسؤولية الولايات المتحدة في الرايات المزيفة في مناطق أخرى، كإيران في أحداث 1953، حيث نسبت في البداية إلى الشيوعيين الإيرانيين، ثم تبين في ما بعد أن الاستخبارات الأمريكية والبريطانية استغلتا عملاء لوضع سيناريو قلب حكومة محمد المصدق، وتم هذا في إطار حرب السيطرة على النفط.

وهناك أيضا أحداث 1954 في مصر التي نسبت في البداية للمسلمين، ثم توضح لاحقا أن عملاء الموساد كانوا هم الفاعلون عبر قضية لافون ، نسبة لوزير الدفاع الإسرائيلي الذي اضطر للاستقالة بعد اكتشاف تورط الموساد. وكانت إسرائيل تسعى من وراء العملية الإبقاء على وجود القوات البريطانية في مصر، وحماية نفسها في نفس الوقت. لدينا إذن أمثلة تاريخية تبرهن على استخدام الولايات المتحدة وبريطانيا وإسرائيل لاستراتيجية التوتر والرايات المزيفة. يلزمنا كذلك مواصلة البحث في هذه المجالات، لأن دولا أخرى استخدمت نفس الاستراتيجية في تاريخها.

سيلفيا كاطوري: هذه الهياكل السرية للحلف الأطلسي بعد الحرب الباردة لم تؤدى في النهاية سوى إلى ارتكاب عمليات إجرامية ضد المدنيين في أوروبا، بعيدا عن الهدف الذي رسمته الولايات المتحدة لتمكين الدول الأوروبية من ميليشيات خاصة لصد غزو سوفييتي محتمل، كل هذا يقود للتفكير بأن الولايات المتحدة كانت تسعى لشيء آخر!

دانيال غانسر: أنت محقة فى إثارة هذه المسألة. الولايات المتحدة كانت مهتمة بالهيمنة السياسية، لأن هذا العنصر حيوي في استراتيجية واشنطن ولندن. ويقدم لنا الجنرال جيرالدو سيرافالي رئيس غلاديو، أي الشبكة الإيطالية للجيوش السرية مثالا على ذلك في كتابه، ويحكي أنه فهم أن الولايات المتحدة لم تكن مهتمة بإعداد ميليشيا في حال هاجم الاتحاد السوفياتي، حينما لاحظ أن كل ما يهم عملاء الاستخبارات الأمريكية الذين كانوا يحضرون تدريبات الجيش السري الذي يقوده كان هو النؤكد من أن هذا الجيش يتحرك بشكل يسمح له بمراقبة أعمال المناضلين الشيوعيين. وكانوا يتخوفون من وصول الشيوعيين إلى السلطة في بلدان مثل اليونان وإيطاليا وفرنسا. وإذن لهذه الأهداف كانت الحاجة إلى استراتيجية التوتر من أجل توجيه سياسة بعض الدول في أوربا الغربية والتأثير عليها.

سيلفيا كاطوري: تحدثتم عن العنصر العاطفي كعامل مهم في إستراتيجية التوتر، وبالتالي زرع الرعب، ما يسهم في توجيه الرأي العام، بينما تظل الأسباب غير واضحة وغير مؤكدة، ألسنا اليوم إزاء نفس الإجراءات؟ بالأمس استثارة الخوف من الشيوعيين، واليوم استثارة الخوف من المسلمين؟

دانيال غانسر: نعم، هناك توازي واضح جدا على هذا المستوى، خلال استعدادات الحرب ضد العراق، قيل إن صدام حسين يملك أسلحة دمار شامل، وقيل إن هناك علاقة بين العراق وأحداث 11 سبتمبر، كما قيل إن هناك ارتباطا بين العراق والقاعدة، لكن كل هذا كان غير صحيح.

وبهذه الأكاذيب، تمت محاولة إيهام العالم بأن المسلمين يريدون نشر الإرهاب في كل مكان، وأن هذه الحرب ضرورية للقضاء على الرعب. في حين أن السبب الحقيقي هو السيطرة على موارد الطاقة الضخمة المتركزة في الدول الإسلامية، وبالتالي، فإن من يريد الهيمنة عليها، يتوجب عليه التخفي وراء مثل هذه التلاعبات؟

لا يمكننا القول إنه لم يعد هناك الكثير من النفط، لأن الإنتاج العالمي الأقصى قد يحصل قبل 2020 ، وبالتالي يجب الذهاب إلى العراق للاستحواذ عليه، إضافة إلى وجود احتياطات نفطية هامة في بحر القوقاز، وهناك رغبة لإنشاء أنابيب نفط في اتجاه المحيط الهندي، ولكن بما أنه لا يمكن المرور عبر إيران جنوبا، أو عبر روسيا شمالا، يجب إذن المرور عبر الشرق، تركمانستان وأفغانستان، وبالتالي يجب التحكم في هذا البلد، لهذا يوصف المسلمون بالإرهابيين.

إنها أكاذيب كبيرة، ولكن إذا تم ترديدها آلاف المرات، سيصدق الناس ذلك في النهاية، وسيقولون إن هذه الحروب المضادة للمسلمين ذات جدوى، كما أنهم سينتهون بنسيان وجود أشكال كثيرة للإرهاب، وأن العنف ليس بالضرورة خصوصية إسلامية.

سيلفيا كاطوري: في المحصلة، هذه البنيات السرية تم حلها، لكن استراتيجية التوتر استمرت؟

دانيال غانسر: هذا صحيح، قد يكون تم حل بنيات، وتشكيل أخرى جديدة. من المهم أن نشرح كيف يعمل التكتيك والتلاعب في استراتيجية التوتر، وكل هذا غير قانوني، لكن الدول يسهل عليها توجيه الناس أكثر ما لم تكشف لهم رغبتها وضع اليد على نفط الآخرين.

ومع ذلك، ليست كل الاعتداءات نتيجة إعمال استراتيجية التوتر، ولكنه من الصعب معرفة ما هي العمليات التي لم يتم توجيهها، حتى أولئك الذين يعلمون أن عددا من الاعتداءات يتم توجيهها من قبل دول من أجل نزع مصداقية خصم سياسي ما، يمكن أن يصطدموا بعائق سيكولوجي، فبعد كل عملية اعتداء، يصاب الناس بالهلع والتشويش. ومن الصعب جدا الاقتناع بأن استراتيجية التوتر وسياسة الرايات المزيفة هي حقيقة.

سيلفيا كاطوري: وضع الاتحاد الأروبي منذ 2001 إجراءات لمحكافحة الإرهاب، وتبين في ما بعد أن هذه الإجراءات أتاحت للاستخبارات الأمريكية اختطاف أشخاص، ونقلهم إلى أماكن سرية لتعذيبهم. ألم تصبح الدول الأوربية رهينة خضوعها للولايات المتحدة؟

دانيال غانسر: أظهرت الدول الأروبية موقفا ضعيفا إزاء الولايات المتحدة بعد 11 سبتمبر 2001، وبعد تأكيد خرق السجون السرية للقانون، تساهلوا معها ونفس الشيء مع معتقلي غوانتانامو، وتعالت أصوات في أوربا تنادي بعدم حرمان السجين من حق حصوله على دفاع المحامي.

وعندما أثارت السيدة أنجيلا ميركل القضية، قامت الولايات المتحدة بشكل واضح بالتلميح إلى أن ألمانيا متورطة في العراق، وأن استخباراتها ساهمت في الإعداد للحرب هناك، وبالتالي من مصلحتها أن تللزم الصمت.

سيلفيا كاطوري: في هذا السياق، توجد مناطق ظل كثيرة، فما هو الأمن الذي يمكن للحلف الأطلسي توفيره للشعوب التي يفترض أنه يحميها إذا كان يسمح لأجهزة سرية بالتلاعب والتدخل؟

دانيال غانسر: بالنسبة للاعتداءات الإرهابية التي كانت وراءها الجيوش السرية لشبكة غلاديو إبان الحرب الباردة، من المهم التوصل إلى تحديد تورط الحلف الأطلسي. هل كانت عمليات معزولة أم أن الحلف أعدها بشكل سري؟

إلى يومنا، لا يزال الحلف يرفض الحديث عن استراتيجية التوتر والإرهاب خلال الحرب الباردة، ويرفض أي سؤال حول غلاديو. حاليا يتم استخدام الحلف الأطلسي كقوة ردع، في حين أن هذه المنظمة لم تنشأ للقيام بهذا الدور.

وقد تم تفعيلها في هذا الاتجاه في 12 سبتمبر 2001 مباشرة بعد اعتداءات نيويورك. ويؤكد قيادوي الحلف أن سبب مشاركتهم في الحرب على الأفغان هو مكافحة الإرهاب، لكن الهزيمة تتهدد الحلف في هذه الحرب، وقد تحصل حينئذ أزمة كبرى في النقاشات، مما سيسمح بمعرفة ما إذا كان الحلف يقود حربا على الإرهاب كما يؤكد، أم أننا إزاء وضعية مماثلة لما عرفنا خلال الحرب الباردة مع جيش غلاديو السري.

السنوات المقبلة ستقول لنا إن كان الحلف يتحرك من خارج المهمة التي أسس من أجلها. حماية الدول الأروبية والولايات المتحدة في حالة التعرض لهجوم سوفياتي، وهو الحدث الذي لم يقع أبدا، أم لا، فالحلف الأطلسي لم ينشأ للاستيلاء على نفط وغاز الدول الإسلامية.

سيلفيا كاطوري: يمكننا أن نفهم لماذا تشجع إسرائيل التي لديها مصالح في توسيع قاعدة النزاعات في الدول العربية والإسلامية الولايات المتحدة في هذا الاتجاه، لكن ما لا نفهمه هو مصلحة الدول الأروبية في الزج بقواتها العسكرية في حروب قررها البنتاغون؟

دانيال غانسر: أعتقد أن أوروبا حائرة، فالولايات المتحدة في وضع الأقوى، والدول الأوروبية تميل للاعتقاد بأن أفضل شيء هو الوقوف بجانب الأقوى. البرلمانيون الأوروبيون يتنازلون بسهولة أمام ضغط الولايات المتحدة التي تطالب أكثر فأكثر ببعث القوات الأوروبية إلى هذه الجبهة أو تلك. وكلما تنازل الأوروبيون، سيجدون أنفسهم في مواجهة مشاكل أكبر.

في أفغانستان، يتحرك الألمان والبريطانيون تحت القيادة الأمريكية، وهذه ليست وضعية جيدة لهذه الدول. الآن، طالبت الولايات المتحدة ألمانيا ببعث قواتها أيضا نحو جنوب أفغانستان، في المناطق حيث المعارك أشد. وإذا وافق الألمان، فإنهم يعرضون جنودهم للموت المحقق على أيدي القوات الأفغانية التي ترفض وجود أي محتل. وقد يكون على ألمانيا أن تتساءل ما إن كان من الأفضل لها أن تسحب قواتها المكونة من 3000 جندي من أفغانستان، لكن عصيان ألمانيا التي تعتبر موالية للأوامر الأمريكية أمر صعب.

سيلفيا كاطوري: حين نلاحظ كيف يتم إبراز العرب والمسلمين كشياطين في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، يكاد يعتقد المرء أن لا علاقة لذلك بالنفط؟

دانيال غانسر: نعم في هذه الحالة، لكن بالنسبة للولايات المتحدة، الأمر يتعلق بالفعل بصراع من أجل الهيمنة على الطاقة في هذه المنطقة الأوروأسيوية ذات الموقع الاستراتيجي الذي يبدأ من أزرببدجان إلى السعودية والعراق والكويت والخليج وفي هذه المنطقة حيث تتركز أهم احتياطات النفط والغاز يدور ما يسمى بالحرب على الإرهاب في نظري، لا يتعلق الأمر سوى برهان جيواستراتيجي لا يمكن للاتحاد الأوربي سوى أن يكون خاسرا فيه، لأنه في حال سيطرت الولايات المتحدة على نفط وغاز المنطقة، وزادت حدة أزمة الطاقة، فإنها لن تمنح شيئا لأوروبا بدون مساومات.

وقلة من الناس تعلم أن قمة الإنتاج النفطي قد تم بلوغها في بحر الشمال، وتبعا لذلك، فإن الإنتاج النفطي في أوروبا - النرويج وبريطانيا- في تراجع. وريثما يفطن الناس إلى أن هذه الحروب ضد الإرهاب موجهة، وأن الاتهامات الموجهة للمسلمين هي جزء من الدعاية سوف يفاجأون، وعلى الدول الأوروبية أن تستفيق وتفهم استراتيجية التوتر وتتعلم قول لا للولايات المتحدة التي يوجد بداخلها أيضا من هو ضد عسكرة العلاقات الدولية.

سيلفيا كاطوري: أجريتم أيضا بحوثا حول 11 سبتمبر ضمنتموها في كتاب مشترك مع مثقفين آخرين مهتمون بالتناقضات وعدم الانسجام في الطرح الرسمي لتلك الأحداث ونتائج لجنة التحقيق المعتمدة من قبل بوش؟ ألا تخشى أن تتهم بتبني نظرية المؤامرة؟

دانيال غانسر: لطالما سألني طلبتي إن كانت الحرب على الإرهاب تهم بالفعل النفط والغاز، وأن اعتداءآت 11 سبتمبر كانت مدبرة؟ وهل من المصادفة أن المسلمين أتباع بن لادن ضربوا بالضبط في التوقيت الذي بدأ فيه الغرب يتنبه إلى أن أزمة نفط وشيكة؟ هكذا بدأت الاهتمام بدراسة ما كتب عن الاعتداءات والتقرير الرسمي المقدم في يونيو 2004، وحين نتعمق في الموضوع، نلاحظ وجود نقاش عالمي حول حقيقة ما جرى، لأن المعلومات المتوفرة ليست دقيقة كفاية.

والسؤال الكبير حول هذا التقرير المؤلف من 600 صفحة هو أنه لا يشير بتاتا إلى انهيار البرج الثالث في 11 سبتمير، ولا يتحدث سوى عن البرجين، في حين تتحدث اللجنة عن نشوب حريق صغير فيه، بينما يتعلق الأمر بانهيار برج /WTC7/ طوله 170 متر، حيث لا يمكن لحريق صغير أن يؤدي لانهيار بناية من هذاالحجم، كما أكد لي ذلك خبراء في مجال البناء. وما وقع في البنتاغون في نفس اليوم ليس واضحا، ولا تساعد الصور المتوفرة حول الحدث على رؤية أية طائرة. لا نفهم كيف وصلت طائرة إلى هناك. التاريخ الرسمي ل11 سبتمبر ونتائج لجنة التحقيق لا تتمتع بالمصداقية، وهذا الغموض يضع الباحثين في موقف صعب جدا. ومن المثير حقا أننا بعد عدة سنوات من الحدث لا نستطيع رؤية الأمور بوضوح.

سيلفيا كاطوري: لماذا كتابك حول جيوش الناتو السرية المنشور باللغة الإنجليزية، ترجم إلى اللغة التركية، والسلوفينية و قريبا إلى اليونانية ، ولكن لم يتم نشره باللغة الفرنسية؟
دانيال غانسر: لم يتم العثور على أي ناشر في فرنسا حتى الآن, إن وجد ناشرمهتم بكتابي، سأكون مسرورا جدا لرؤيته يصدر باللغة الفرنسية.

بعض الروابط فى الموضوع:

http://www.dailymotion.com/video/xhb65t_1950-1990-le-scandale-des-armees-secretes-de-lyotan-1sur3_school

http://www.dailymotion.com/video/xhb65t_1950-1990-le-scandale-des-armees-secretes-de-lyotan-2sur3_school

http://www.dailymotion.com/video/xhb65t_1950-1990-le-scandale-des-armees-secretes-de-lyotan-3sur3_school

http://www.rsr.ch/la-1ere/programmes/histoire-vivante/?serie=2979176

http://www.dailymotion.com/playlist/xurkb_jackyshow38_operation-gladio

عربية

علِّق

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
CAPTCHA
هذا السؤال هو لاختبار ما إذا كنت زائرا بشري ولمنع منشورات سبام الآلية.
10 + 2 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.