الشيخ على بن حاج لمليونية "معا ضد العنف": الانقلاب على الشرعية مرفوض، لأنه يفتح باب الفتن والعنف

أحمد أبو زريعة - القاهرة 17\02\2013

كثير منا يجهل تاريخ الجماعات الإسلامية في مصر ولا يعرف عنها سوى مشاهد العنف والخراب والدمار والإرهاب العالقة في لأذهان من أفلام عادل أمام ومسلسلات وحيد حامد وغيرهم. نشأت الجماعة الإسلامية بداية السبعينات في أحضان الجامعات المصرية على شكل مجموعات دعوية وجماعات دينية تمارس بعض الأنشطة الثقافية والاجتماعية ثم نمت وتطورت فيما بعد واعتمدت الجهاد وسيلة لتطبيق الشريعة وإقامة الدولة الإسلامية تمهيدا لعودة دولة الخلافة. خاضت الجماعة الإسلامية في سبيل ذلك معارك دموية طاحنة مع رموز السلطة وقوات الأمن كان أبرزها مقتل الرئيس السادات في 6 أكتوبر 1981. استمرت المواجهات العنيفة بعدها على فترات متقطعة خلال التسعينات ما اضطر قوات الأمن للتعامل بقسوة مع أعضاء الجماعة وملاحقتهم وألقت القبض على قيادات كثيرة منهم وسجنتهم إثرالهجوم على مديرية أمن أسيوط. في عام 1997 تبنت قيادات الجماعة الإسلامية مبادرة لوقف العنف من داخل السجون لاقت ترحيبا واسعا من الأجهزة الأمنية آنذاك وإن رفضتها بعض قيادات الجماعة بالخارج. الغاية من سرد هذه الحقائق التاريخية هو التأكيد على أن الجماعة الإسلامية ومنذ ذلك التاريخ 1997 لم يثبت بالدليل القاطع تورط أحد قيادتها أو إدانة أي منهم في عمليات إرهابية أو أحداث عنف.

        باندلاع ثورة 25 يناير أضافت الجماعة الإسلامية معان بليغة ودروس عظيمة في حب الوطن وحفظ أمنه والحرص على سلامته. وبان لكل ذي عينين ممن لديه مسحة إنصاف أن الجماعة الإسلامية وحزب البناء والتنمية الذراع السياسي المنبثق عنها، قد عملا منذ بداية الثورة على تغليب مصلحة الوطن الجامعة فوق المصالح الحزبية والمكاسب الشخصية الضيقة، وسعيا في كل تحركاتهما لإحداث التوافق ولم الشمل وإعلاء الصالح العام فوق كل حزب وفصيل وجماعة. وليس أدل على ذلك من تنازل حزب البناء والتنمية عن مقعدين خصصا له في الجمعية التاسيسية لرأب الصدع وتفاديا لوقوع الإنقسام.

        ما يثير الدهشة والاستغراب ويوجب الاحترام والتقدير والإعجاب في آن واحد أن الجماعة الإسلامية وحزب البناء والتنمية قاما بدعوة كافة الأحزاب والقوى الوطنية والأقباط للمشاركة في مليونية الجمعة الفائتة لنبذ العنف والتطرف والإرهاب. اختارت الجماعة الإسلامية مطالب شعبية اتفقت عليها جموع المصريين في رسالة واضحة للداخل والخارج مؤداها أن الجماعة الإسلامية وحزب البناء والتنمية قد تخلصا للأبد من إرث الماضي العنيف، ومفادها طمئنة الجميع والرغبة الأكيدة في العيش بحب وسلام.

 لا شك أن أهداف مليونية الجماعة الإسلامية التي دعت فيها بوضوح للا للعنف... ولا للفوضى... ولا للمولوتوف...ولا لاقتحام السجون...ولا لقتل المتظاهرين السلميين...ولا للصراع على السلطة وإحراق البلاد، هي أهداف نبيلة وسامية وذات مصداقية وقبول في أوساط النخب السياسية والقوى الوطنية وجماهير الشعب وتؤسس لقاعدة عريضة من التلاقي والتوافق. لم يفت الجماعة الإسلامية كذلك المطالبة باستقلال القضاء، وتشكيل إدارة تابعة لوزارة الداخلية لمكافحة البلطجية واستصدار قانونا لتجريم البلطجة. وطالب حزب البناء والتنمية بإطلاق سراح الشيخ عمر عبد الرحمن من سجون أميركا. لكن كان من أهم أهداف الجماعة لتلك المليونية هو التركيز بجلاء وقوة على ضرورة إفساح المجال لمشاركة الشباب في صياغة المستقبل من خلال ضمان مشاركة فاعلة لهم في القوائم الحزبية لانتخابات البرلمان القادم وضمان مشاركة الجميع دون إقصاء وتقديم الكفاءات. تلك المشاركات التي تستقطب الشباب للتفرغ للعمل والإبداع بديلا عن التظاهر واستنزاف قواهم في الهتافات والمناكفات مع اجهزة الأمن وسحب البساط من تحت اقدام البلطجية ودعاة العنف والتخريب.

        لقد نجحت مليونية الجماعة الإسلامية بكل المقاييس من حيث الحشد الهائل والتنظيم الحضاري والسلمية والرسائل التى صدرت عنها في كل اتجاه. شخصيا سعدت كثيرا بعدم مشاركة الإخوان إلا من بعض الرموز ليتضح للجميع أن الحراك الشعبي السلمي لحماية الشرعية في مصر والدفع باتجاه السلم والأمن الاجتماعي والوقوف ضد التخريب والاحتراب الداخلي ليست مسئولية جماعة بعينها ولا يتحكم فيها حزب واحد. وأن أعمال العنف والإرهاب والتطرف مرفوضة من الجميع. لكن ما لم أستطع فهمه البتة هو رفض قيادات حزب النور والوطن والجبهة السلفية المشاركة في مليونية نبذ العنف والتعلل بأسباب غير مقنعة. فحزب النور الذي سارع للاجتماع بقيادات جبهة الإنقاذ وانتشلها من عار الدماء والعنف والحرق والانقلاب المسلح على السلطة بدعوى حقن دماء المصريين هو نفسه الذي رفض المشاركة في مليونية نبذ العنف التي تسير في نفس الإتجاه وتسانده وتدعمه.

        أجزم أن مليونية الجماعة الإسلامية وحزب البناء والتنمية في ظل مناخ الحرية الجديد أثبتت قدرة وكفاءة الفصائل الإسلامية على العمل السياسي وممارسة الديمقراطية بفاعلية عندما أزيحت العراقيل وزالت كافة المعوقات وأن العنف الذي مارسته بعض الجماعات في الماضي انتهى إلى غير رجعة  مع زوال مسبباته. أثبتت المليونية كذلك فشل إلصاق تهمة العنف بالإسلاميين وابتعادهم عن بؤر التوتر وساحات الاقتتال في الشارع طيلة الفترة الماضية التي شهدت اقتحام المحاكم وقطع الطرق وحرق المقرات والتعدي على قصور الحكم. إن محاولات الزج بالإسلاميين ومنهم الإخوان في جرائم القتل والحرق والتحرش والاغتصاب دليل إفلاس مروجيها ونفاد رصيدهم الشعبي. ولا ريب أن تسريب وثيقة بقائمة اغتيالات تحوى أسماء العشرات من الشخصيات العامة في مصر هو عين اليقين على فشل هؤلاء المرجفين بعدما تأكد أن لا وجود لمثل هذه القوائم سواء باعتراف المتهمين فيما يعرف بخلية مدينة نصر بالطريق المباشر أو غير المباشر، ووضح من كل ذلك أن إعلام رجال الأعمال والبيزنس لا يتورع عن حرق البلاد باختلاق الأكاذيب ونشر الشائعات وبث الفتن طالما استمرت ملاحقة الفاسدين منهم واللصوص. أخيرا هنيئا للجماعة الإسلامية بنجاحها في توجيه دفة سفينة الوطن نحو الهدوء والأمن والاستقرار في هذه المرحلة من تاريخ الأمة.

  و لقد بعث الشيخ على بن حاج, برسالة تقدير واحترام إلى جموع المتظاهرين المشاركين فى مليونية الجماعة الإسلامية "معاً ضد العنف". وجاء فى الرسالة ، "أنصح إخوانى أن يسلكوا العمل السياسى السلمى تجنباً للفتن، كما أنصح المخالفين والمعترضين من القوى المدنية والليبرالية، أن يلتزموا بالقواعد العامة وأن يعرض كل طرف مشروعه على الشعب، فإذا اختار الشعب مشروعه فيجب على الجميع احترام إرادة الشعب المصرى".

ووجه الشيخ على بن حاج رسالة إلى العلمانيين بأن الانقلاب على الشرعية مرفوض، لأنه يفتح باب الفتن والعنف، وعلى الجميع أن يحترموا إرادة الشعب، كما أطالب القوى المدنية باحترام كلمة الشعب واحترام مبادئ الديمقراطية التى روجوا لها، وأن يحترموا الشرعية. وفى نهاية رسالته أوصى الشيخ بعدم تكرار تجربة الجزائر فى مصر، مشدداً على ضرورة احترام إرادة الشعب المصرى واختيار الصندوق.

عربية

علِّق

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
CAPTCHA
هذا السؤال هو لاختبار ما إذا كنت زائرا بشري ولمنع منشورات سبام الآلية.
3 + 4 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.